الغريب إذن أن يتمكنوا من استغلال التحرر الاقتصادي في العقد التالي، ومع استمرار نينج في الإشادة علنا بماوتسي تونج والماركسية اللينينية، فقد نجح في إعادة الملكية الخاصة في الريف ومن التمكين الاقتصاد الرأسمالي العالمي في البلاد. وكان تدشين الاصلاح الاقتصادي اعترافا مبكرا ثاقب النظرة من جانب الزعامة الشيوعية بفشل التخطيط المركزى الاشتراکي.
فالدولة الشمولية التي تسمح بنشاط واسع النطاق للقطاع الخاص، لا يمكن الاستمرار في تعريفها بأنها شمولية، وقد تمكن المجتمع المدني في الصين من فرض نفسه بسرعة كبيرة في صورة مؤسسات تجارية تلقائية، ومنظمى مشروعات وجمعيات غير رسمية ... الخ، وذلك في جو من الحرية النسبية ساد البلاد في الأعوام ما بين 1978 وضرب حركة المطالبة بالديموقراطية في 1989. وقد حسبت القيادة الصينية أن بوسعها ضمان شرعيتها بأدائها دور العامل على تحديث الصين وإصلاح أحوالها لا دور المدافع عن الأفكار الماركسية التقليدية.
غير أن صعوبة نيل الشرعية كانت في الصين كصعوبتها في الاتحاد السوفييتي. فتحديث الاقتصاد يتطلب انفتاح المجتمع الصيني على الأفكار والتأثيرات الأجنبية، ونقل السلطة من الدولة إلى المجتمع المدني، وهو يتيح فرص ظهور الفساد وغيره من الآفات الاجتماعية التي يصعب علاجها في ظل أنظمة سياسية تأخذ بمبدأ الحزب الواحد، ويزيد من عدد المثقفين والصفوة ذوي النظرة العالمية في المدن الكبيرة ممن يؤدون وظيفة الطبقة الوسطى في المجتمعات الأخرى.
وقد كان أبناء هؤلاء المثقفين والصفوة هم الذين نظموا الاحتجاجات التي بدأت في ميدان تيانانمن في إبريل 1989 في ذكرى وفاة هو ياوبانج (17) . فهؤلاء الطلبة، وبعضهم درس في الغرب واطلع على الممارسات السياسية خارج الصين، لم يعودوا راضين عن الإصلاح الأعوج الذي يحاوله الحزب الشيوعي الصيني والذي سمح بقدر كبير من الحرية الاقتصادية دون أن يسمح بأي قدر من الحرية السياسية.
وقد ذهب الكثيرون إلى أن احتجاجات الطلبة في ميدان تيانانمن لم تكن تعبيرا عن مطالبة تلقائية بالمشاركة السياسية بقدر ما كانت انعكاسا لصراع سياسي على سلطة دينج بين جاو زبانج ولي بنج (18) . قد يكون ذلك كذلك، فقد كان جاو أكثر تعاطفا مع الطلبة المحتجين من غيره في القيادة الصينية، وأضطر من أجل إنقاذ نفسه إلى طلب مساندتهم عشية قمع الاحتجاج في 4 يونيو (19) . غير أن القول بأن الاحتجاجات كانت نتاجا لاستغلال سياسي من القادة لا يعني أنها لم تكن تعبيرا عن سخط عميق في المجتمع الصيني على النظام السياسي القائم. كذلك فإن توارث السلطة أمر محفوف بالمخاطر في كل الأنظمة الشمولية، حيث يؤدي الافتقار إلى الية دستورية مقبولة من الجميع تنظم الخلافة، إلى وقوع المتنافسين على الزعامة دوما في إغراء لعب دور المصلحين كوسيلة للتغلب على منافسيهم. غير أن لعب هذا الدور يؤدي في الغالبية العظمى من الحالات إلى إطلاق قوي ومواقف جديدة في المجتمع من عقالها، تخرج بعد ذلك عن سلطة موجهها.
لقد أصبحت الصين بعد أحداث عام 1989 مجرد دولة شمولية آسيوية أخرى، تفتقر في الداخل