الصفحة 92 من 376

إلى شرعية معترف بها من قطاع عريض من الصفوة فيها، خاصة بين الشباب الذي سيرث البلاد في يوم ما، والذي لا يهتدي بأيديولوجية واضحة المعالم. ولن يكون الحزب الشيوعي الصيني بعد الآن مثلا أعلى للثوريين في مختلف بقاع العالم كما كان شأنه في ظل زعامة ماو، خاصة عند المقارنة بين الصين اليوم وبين دول المنطقة الرأسمالية سريعة النمو.

وفيما يتصل بالمانيا الشرقية، ظل الكثيرون في الغرب حتى صيف 1989 (وقت بداية أزمة اللاجئين من ألمانيا الشرقية) يذهبون إلى أن الاشتراكية قد ثبتت جذورها في ذلك القطر وغيره من أقطار شرق أوروبا، وأن شعوب تلك الأقطار لو قدر لها أن تختار بحرية لاختارت بديلا بساريا

إنسانيا،، لا هو بالشيوعية ولا الديموقراطية الرأسمالية. وقد ثبت الآن أن هذا القول وهم كبير. ففشل الشمولية في أوروبا الشرقية حيث فرضت المؤسسات السوفييتية بالقوة على شعوب غير راغبة فيها، أتي بأسرع مما أتى فشلها في الاتحاد السوفييتي أو في الصين. وربما لم يكن ذلك بالأمر المستغرب. فالمجتمع المدني لم يكن قد دمر فيها تماما (مع اختلاف الدرجة باختلاف الدول) . ففي بولندا مثلا لم تكن الزراعة قد أضحت جماعية كما في أوكرانيا أو روسيا البيضاء المجاورتين، كما أن الكنيسة تركت حرة إلى حد كبير. وبالاضافة الى كافة الأسباب التي دفعت الشعب السوفييتي إلى مقاومة القيم الشيوعية، أسهمت قوة المشاعر القومية المحلية في الإبقاء على ذکري مجتمع ما قبل الشيوعية حية في الأذهان، وسمحت بإحياء سريع لقيمة عقب اضطرابات أواخر 1989. وما أن أوضح السوفييت، أنهم لن يتدخلوا لمساندة حلفائهم المحليين في أوروبا الشرقية، حتى بدا وكأن الأمر الوحيد المذهل نتيجة ذلك هو شيوع الفوضى في جميع الأجهزة الشيوعية في كافة دول أوروبا الشرقية، وأنه ما من فرد واحد من الحرس القديم كان على استعداد الرفع إصبع للدفاع عن النظام.

وفي أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى، فقدت الاشتراكية الافريقية والنظم القوية ذات الحزب الواحد التي قامت في أعقاب انتهاء الاستعمار، سمعتها بحلول نهاية الثمانينيات حين أضحت معظم بلدان المنطقة فريسة للانهيار الاقتصادي والحروب الأهلية. وقد كان المصير أشد بشاعة في الدول ذات الأنظمة الماركسية الصارمة مثل إثيوبيا وأنجولا وموزمبيق. وقد ظهرت أنظمة ديموقراطية فعالة في بوتسوانا وجامبيا والسنغال وموريشيوس وناميبيا، في حين اضطر الحكام المستبدون في عدد كبير من الدول الأفريقية الأخرى إلى الوعد بإجراء انتخابات حرة.

صحيح أن الحكم الشيوعي لا يزال قائما في الصين وكوبا وكوريا الشمالية وفييتنام. غير أن تغيرا كبيرا جدا حدث في مفهوم الشيوعية بعد الانهيار المفاجيء لستة أنظمة شيوعية في أوروبا الشرقية فيما بين يوليو وديسمبر 1989. فالشيوعية التي كانت في وقت من الأوقات تصور نفسها على أنها شكل من أشكال الحضارة أرقى وأكثر تقدما من الديموقراطية الليبرالية، سترتبط في الأذهان من الآن فصاعدا بدرجة عالية من التخلف السياسي والاقتصادي. ومع استمرار نظم شيوعية في العالم، فإن الشيوعية لم تعد تعكس فكرة دينامية مغرية. وقد بات من يسمون أنفسهم اليوم بالشيوعيين يجدون أنفسهم في تراجع مستمر وهم يخوضون معارك قوات المؤخرة الدفاعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت