من أجل الحفاظ ولو على جزء من سلطتهم ومراكزهم السابقة. إنهم الآن في وضع لا يحسدون عليه، وضع المدافع عن نظام اجتماعي عتيق رجعي قد انتهى أو انه منذ زمن بعيد، شأن انصار الملكية الذين لا يزالون بيننا في القرن العشرين. لقد انتهى الخطر الأيديولوجي الذي كانوا يشكلونه على الديموقراطية الليبرالية. وبانسحاب الجيش الأحمر من أوروبا الشرقية بزول معظم الخطر العسكري أيضا.
وفي الوقت الذي كانت الأفكار الديموقراطية تزعزع فيه من شرعية الأنظمة الشيوعية في مختلف أنحاء العالم، كانت الديموقراطية نفسها تواجه مشكلات عظمى في سبيل توطيد دعائمها. فاحتجاجات الطلبة في الصين سحقها الحزب والجيش، وألغيت بعد ذلك بعض الإصلاحات الاقتصادية التي كان دينج قد دشنها. كذلك فإن مستقبل الديموقراطية أبعد ما يكون عن وصفه بأنه مستقبل مضمون في جمهوريات الاتحاد السوفييتي الخمس عشرة، وقد شهدت بلغاريا ورومانيا اضطرابات سياسية مستمرة منذ الإطاحة بحكامهما الشيوعيين السابقين. أما يوغوسلافيا فقد عانت من الحرب الأهلية والتحلل. ويبدو أن المجر وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وما كان يعرف بألمانيا الشرقية سابقا هي وحدها القادرة على الانتقال إلى ديموقراطية مستقرة واقتصادات السوق في العقد التالي، رغم أن المشكلات الاقتصادية التي تواجهها هذه الدول ثبت أنها أكبر مما كان يعتقد في الماضي.
وقد ذهب البعض إلى القول بأنه وإن كانت الشيوعية قد ماتت، إلا أنه سرعان ما ستحل محلها نظم قومية عدوانية متعصبة، وأنه من السابق لأوانه التهليل لانقضاء عصر الدول القوية، حيث إنه في البلدان التي تختفي الشمولية الشيوعية فيها ستحل مكانها ببساطة أنظمة استبدادية قومية، أو ربما فاشية على النمط الروسي أو الصربي. فهذا الجزء من العالم إذن لن يعرف لا السلام ولا الديموقراطية في المستقبل القريب، وسيكون حسب رأي هذه المدرسة الفكرية، خطرا على الديموقراطيات الغربية شأن الاتحاد السوفييتي فيما مضى.
غير أننا لن ندهش في الواقع لو أن الدول التي كانت شيوعية في الماضي لم تتحول في سرعة وسهولة إلى نظم ديموقراطية مستقرة. بل إن المدهش حقا هو لو أن هذا حدث بالفعل، فثمة عقبات كأداء يجب التغلب عليها قبل بزوغ فجر الديموقراطيات الناجحة. فالاتحاد السوفييتي القديم مثلا كان عاجزا تماما عن تطبيق الديموقراطية. ولو أنه بلغ درجة من الحرية تسمح بوصفه بانه ديموقراطية حقيقية، لانقسم على الفور على أساس من القومية والعرق إلى مجموعة من الدول الأصغر. غير أن هذا لا يعني أن الأجزاء المنفردة من الاتحاد السوفييتي - بما فيها الاتحاد الروسي أو أوكرانيا - لن تتمكن من تطبيق الديموقراطية، وإنما يعني أن تطبيق الديموقراطية يجب أن تسبقه عملية شاقة من الانفصال القومي وهي عملية لن تقم بسرعة ودون إراقة دماء. وقد بدأت هذه العملية مع العودة إلى التفاوض حول اتفاقية للاتحاد بين تسع من جمهوريات الاتحاد السوفييتي الخمس عشرة في ابريل 1991، ثم تطور الوضع بسرعة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في أغسطس.