الصفحة 96 من 376

كذلك فإنه ليس ثمة تناقض بالضرورة بين الديموقراطية وبعض القوميات الجديدة البازغة على الأقل، فمع أنه من غير المرجح تماما أن تقوم ديموقراطيات ليبرالية مستقرة في أوزبكستان أو

طاجيكستان في المستقبل القريب، فليس هناك من سبب يدعونا إلى الظن أن ليتوانيا أو إستونيا ستكون أقل ليبرالية من السويد أو فتلندا متى ما نالت استقلالها القومي. كذلك فإنه ليس صحيحا أن القوميات الجديدة مني أطلقت من عقالها ستكون بالضرورة توسعية أو عدوانية. فمن أبرز التطورات التي شهدتها أواخر الثمانينيات وحتى أوائل التسعينيات اتجاه التيار العام للقومية الروسية صوب مفهوم، روسيا الصغرى، وهو اتجاه لا نلمسه بنفس الدرجة من الوضوح في فكر الليبراليين من أمثال بوريس يلتسين، بل ولدي قوميين محافظين من أمثال إدوارد فولودين وفيكتور أستافييف.

وعلينا أن نلزم الحذر في التمييز بين الظروف الانتقالية والأوضاع الثابتة. ففي أجزاء من الاتحاد السوفييتي و أوروبا الشرقية قد يحل محل الماركسيين اللينينيين، ديكتاتوريون وقوميون وكولونيلات ذوو اتجاهات شتى، بل وقد يتمكن الشيوعيون أنفسهم من العودة إلى الحكم في مناطق معينة، غير أن الأنظمة الشمولية التي يمثلونها ستظل محلية و غير متناسقة، وسيكون عليهم. شأن الديكتاتوريين العسكريين في أمريكا اللاتينية. أن يواجهوا في نهاية المطاف حقيقة أنهم يفتقرون إلى مصدر للشرعية طويل الأمد، وإلى وسيلة ناجعة لحل المشكلات الاقتصادية و السياسية المزمنة التي سيواجهونها. أما الأيديولوجية المتناسقة الوحيدة التي تتمتع بشرعية على نطاق واسع في هذا الشطر من العالم فهي الديموقراطية الليبرالية. وإذا كان الكثير من شعوب هذه المنطقة قد لا يحقق الانتقال إلى الديموقراطية خلال هذا الجيل، إلا أنه من الجائز جدا أن يتحقق هذا في الجيل التالي. وقد كان انتقال أوروبا الغربية الى الديموقراطية الليبرالية شاقا وطويل الأمد أيضا، وهو ما لم يحل دون بلوغ كل دولة من دول تلك المنطقة هدفها في نهاية المطاف.

وقد كان الظن هو أن الشمولية الشيوعية وسيلة لوقف عمليات التطور الاجتماعي الطبيعية والعضوية، وإبدالها بسلسلة من الثورات المفروضة من عل كتدمير صرح الطبقات الاجتماعية القديمة، والتصنيع السريع، والزراعة الجماعية. هذا النمط من الهندسة الاجتماعية واسعة النطاق كان يعتقد أنه قد أقام سدا يفصل بين المجتمعات الشيوعية والمجتمعات غير الشمولية، بالنظر إلى الاعتقاد بأن مصدر التغير الاجتماعي هو في نظام الدولة لا المجتمع. لكن ذلك تعطيلا للقوانين الطبيعية للتحديث الاقتصادي والسياسي التي يراها علماء الاجتماع شائعة في كل المجتمعات و العادية و (20) . غير أن العمليات الإصلاحية في الثمانينيات في كل من الاتحاد السوفييتي والصين أوضحت أمرا بالغ الأهمية بشأن التطور الاجتماعي للإنسان حتى لو لم يتحقق النجاح في مستقبل فريب، ذلك أنه في حين عمدت الشمولية الى هدم المؤسسات الظاهرة في مجتمع ما قبل الثورة في كل من روسيا والصين، فإنها فشلت تماما في تحقيق مطمحها الخاص بخلق إنسان جديد على النمط السوفيتي أو نمط ماوتسي تونج. فإذا بصفوة تطل برأسها في كل من البلدين في أعقاب عهدي بريجنيف وماو أشبه ما تكون بالصفوة الغربية، وعلى مستوى مشابه من النمو الاقتصادي، وهو ما لم يكن يتوقعه أحد، وقد كان بوسع زبدة تلك الصفوة أن تعجب بالثقافة الاستهلاكية الشائعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت