فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 54

عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك"، فبقوا على ذلك خمسين ليلة،"حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت يعني مع سعتها، وضاقت عليهم أنفسهم يعني صدورهم بسبب الهم والغم ومجانبة النبي - صلى الله عليه وسلم - والأولياء والأحباء كلامهم ومعاملتهم وأمر أزواجهم باعتزالهم، ونظر الناس لهم بعين الإهانة وتأخير نزول توبتهم، {وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} أي تيقنوا أنه لا مخلص لهم، ولا معتصم في طلب الفرج مما هم فيه إلا إلى الله، وأنه لا يملك ذلك غيره ولا يجوز لهم أن يطلبوا ذلك إلا من قبله، العبادة له والرغبة إليه، فحينئذ أنزل الله تعالى على نبيه قبول توبتهم، وكذلك سنة الله تعالى فيمن انقطع إليه وعلم أنه لا كاشف لهمه غيره أنه سينجيه ويكشف عنه {إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ} أي: كثير التوبة والعفو، والغفران عن الزلات والعصيان، {الرَّحِيمُ} وصفته الرحمة العظيمة التي لا تزال تنزل على العباد في كل وقت وحين، في جميع اللحظات، ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية، فلما كان الصدق صفة من خرج معه وصفة هؤلاء الذين تاب عليهم قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} اصدُقوا والزموا الصدق وكونوا مع الصادقين حتى تنجوا من المهالك ويجعل لكم فرجا من أموركم ومخرجا، وكذلك المراد بقوله: {كُونُوا مَعَ الصادقين} أي كونوا على طريقة الصادقين، في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق، وأعمالهم وأحوالهم لا تكون إلا صدقا، خالية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة، مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة"وقصتهم مشهورة معروفة في الصحاح والسنن والمسانيد [1] .

(1) انظر: معالم التنزيل، للبغوي (4/ 105) ، ومفاتيح الغيب، للرازي (8/ 174) ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (8/ 284 ـ 287) ، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/ 210 ـ 230) ، وإرشاد العقل السليم لأبي السعود (4/ 109) ، والتحرير والتنوير (11/ 54) ، واللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي (10/ 234) ، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/ 354) ، والوسيط لسيد طنطاوي (1/ 2041) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت