لزيادة مسيس الحاجة إلى الاستعاذة منها، لكثرة وقوعها، و قد جاء ت معطوفة على من قلبها من ذلك: من شر {غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} أي الليل إذا أظلم والقمر إذا غاب؛ لأنه وقت يغلب وقوع الشر فيه، ومن شر {النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} أي من شر السواحر اللاتي يعقدن عقدًا في خيوط، وينفثن عليها، وهم صنف من الناس أقيمت صناعتهم على إرادة الشر بالغير. ومن شر {حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} أي أظهر حسده وعمل بمقتضاه، بترتيب مقدمات الشر، فابتغاك بضر أو أرادك بشر أو طلبك بسوء قولًا وفعلًا؛ لأن الحسد طلب زوال النعمة" [1] ."
جاءت هذه السورة مكملة لما يستعاذ منه في سورة الفلق، حيث أن سورة الفلق تعوُّذ من شرور المخلوقات من حيوان وناس، وسورة الناس تعوّذ من شرور مخلوقات خفيّة وهي الشياطين، فهنالك الاستعاذة من أربعة شرور، وهنا أمر الله بالاستعاذة من شر واحد"الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس"إلا أنه أخطر من تلك الأربع، وذلك لتعلقه بالقلب، والقلب إذا فسد فسد كل شيء، وإذا صلح صلح كل شيء، ولأن مقصده الأعظم إفساد الدين، ولأنه منبع تلك الشرور فإن"السحر لا يتم إلا بتعاون كبير من الشياطين وهم معلموه كما جاء ذلك في سورة البقرة [2] ، وكان الحسد"
(1) انظر: أضواء البيان (9/ 346) ، والتحرير والتنوير (30/ 627) ، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (4/ 238، 239) ، وأيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري (10/ 118) .
(2) الآية: 102.