وَالْأَرْضِ فيسلك هذا التفكر مسلك العبادة، ويجعله جانبًا من مشهد الذكر."أي: ليستدلوا بها على المقصود منها، ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين، فإذا تفكروا بها، عرفوا أن الله لم يخلقها عبثا، فيقولون: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة على الحق {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة من النار. ويتضمن ذلك سؤال الجنة، لأنهم إذا وقاهم الله عذاب النار حصلت لهم الجنة، ولكن لما قام الخوف بقلوبهم، دعوا الله بأهم الأمور عندهم" [1] .
أمر الله عباده في هذه الآية بالتفكر في بعض آياته الكونية، واستعمال عقولهم في التأمل في عِظم خلقها، ولما كانت السماء أعظم تلك المخلوقات وضوحًا على دلائل وحدانيته قدمها في الذكر؛"وذلك لأن الدلائل السماوية أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال القلب منها إلى عظمة الله وكبريائه أشد وأسرع" [2] ، من حيث عظم بنائها، وسعة أرجائها، وحسن استوائها، وجمال زينتها، حتى أن المتأمل فيها ليدهش من بديع صنعها، وعظيم خلقها، واتساع أرجائها بدون عمد تسندها؛ أو شقوقًا وفطورًا تصدعها، قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ
(1) انظر: فتح القدير لمحمد علي الشوكاني (1/ 410) ، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/ 16) ، وفي ظلال القرآن لسيد قطب (2/ 29) .
(2) مفاتيح الغيب للرازي (5/ 9) .