فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 65

تخصيصه كغرامات المتلفات، ثم استثنى من ذلك: ما لو حلف لا يفعل عامدًا ولا ناسيًا، فإنه يحنث بالفعل ناسيًا بلا خلاف لالتزام حكمه، هذا في الحلف على المستقبل، أما على الماضي كأن حلف أنه لم يفعل ثم تبين أنه فعله. يقول العلامة السيوطي: فالذي تلقفناه من مشايخنا أنه يحنث، ويدل له قول النووي في فتاويه: صورة المسألة: أن يعلق الطلاق على فعل شيء فيفعله ناسيًا [1] .

ولو نسي أن له زوجة أو زوَّجه أبوه في صغره أو وكليه في كبره، وهو لا يدري فقال: زوجتي طالق، أو خاطبها بالطلاق طلقت، نص عليه الشافعي (رحمه الله) [2] .

وقد نقل العلامة السيوطي عن ابن رزين في هذه المسألة كلامًا مفيدًا مختصرًا قاصرًا على النسيان فقال: للنسيان حالتان: إحداهما: أن يكون ذلك (أي: النسيان) واقعًا في نفس اليمين أو الطلاق، وذلك بأن يتلفظ بالطلاق من عرفه ثم نسيه فلا يقع بذلك طلاق ولا ينعقد بمثله يمين، فإذا نسي المحلوف عليه، كما إذا دخل زيد الدار وعلم ذلك ثم نسيه، فحلف بالله أو بالطلاق: أنه ليس في الدار، فهذه يمين ظاهرها تصديق نفسه في النص وقد يعرض فيها أن يقصد أن الأمر كذلك (في اعتقاده أو فيما انتهى إليه علمه أي لم يعلم خلافه، ولا يكون قصده الجزم بأن الأمر كذلك) في الحقيقة، بل ترجع يمينه إلى أنه حلف أنه يعتقد كذا أو يظنه، وهو صادق في أنه يعتقد ذلك أو ظان له، فإن قصد الحالف ذلك حالة اليمين أو تلفظ بها متصلًا بها لم يحنث، وإن قصد المعنى الأول أو أطلق نفي وقوع الطلاق ووجوب الكفارة قولان مشهوران، مأخذهما: أن النسيان هل يكون عذرًا له في ذلك كما كان عذرًا في باب النواهي أم لا يكون عذرًا كما لم يكن عذرًا في غرامة المتلفات؟

ويقوي إلحاقه بالإتلافات بأن الحالف بالله أن زيدًا في الدار إذا لم يكن فيها فهو كالجاني خطأ، والحالف بالطلاق إذا كانت يمينه بصيغة التعليق كقوله: إن لم يكن زيد في الدار فزوجتي طالق إذا تبين أنه لم يكن فيها فقد تحقق الشرط الذي علق الطلاق عليه، فإنه لم يتعرض إلا لتعليق الطلاق على عدم كونه في الدار، ولا أثر لكونه ناسيًا في عدم كونه في الدار.

وأما إذا كان بغير صيغة التعليق كقوله لزوجته: أنت طالق، لقد خرج زيد من الدار، وكقوله: الطلاق يلزمني ليس زيد في الدار، فهذا إذا قصد به اليمين جرى مجرى التعليق، وإلا لوقع الطلاق في الحال، وإذا جرى مجرى التعليق كان حكمه حكمه.

والحالة الثانية:

أن يعلق الطلاق على دخول الدار، أو دخول زيد الدار، أو يحلف بالله لا يفعل ذلك، فإذا دخلها المحلوف عليه ناسيًا، فإن جرد قصده عن التعليق المحض، كما إذا حلف لا يدخل السلطان البلد اليوم، أو لا يحج الناس في هذا العام، فظاهر المذهب وقوع الطلاق والحنث في مثل هذه الصورة، وقع ذلك عمدًا أو نسيانًا.

(1) الأشباه والنظائر ص 211.

(2) انظر: روضة الطالبين ج 6 ص 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت