فهرس الكتاب
وإن قصد باليمين تكليف المحلوف عليه ذلك لكونه يعلم أنه لا يرى مخالفته مع حلفه أو قصد باليمين على فعل نفسه أن تكون يمينه رادعة عن الفعل، فالمذهب في هاتين الصورتين أنه لا يحنث إذا فعل المحلوف عليه ناسيًا إذا رجعت حقيقة هذه اليمين إلى تكليف نفسه ذلك أو تكليف المحلوف عليه ذلك، والناسي لا يجوز تكليفه، وهذا ما ترجح عندي في هذه الصورة، وبقي صورة واحدة وهي: ما إذا أطلق التعليق ولم يقصد تكليفًا ولا قصد التعليق المحض، بل أخرجه مخرج اليمين فهذه الصورة هي التي أطلق معظم الأصحاب فيها القولين [1] .
هذا ومما يعتبر عند الشافعية مبنيا على الخلاف في حنث الناس:
1 -ما لو قال: لأقتلن فلانا وهو يظنه حيا فكان ميتا، ففي الكفارة نفسي الخلاف في حنث الناسي.
2 -قال: لا أبيع لزيد مالا، فوكل زيد وكيلا وأذن له في التوكيل فوكل الحالف فباع وهو لا يعلم، ففيه نفس الخلاف في حنث الناسي.
3 -قال: لأقضين الدين عند رأس الهلال، فأخره عن الليلة الأولى للشك فيه، فبان أن هذه الليلة من الشهر، ففي هذه أيضًا الخلاف في حنث الناسي.
رأى الحنابلة في هذا القسم:
ذكرنا في مسألة محظورات الإحرام عامة (إتلافا أو غير إتلاف) وجهة نظرهم وما حكي فيها من روايات [2] .
أما عن مسألة يمين الناسي، فننقل هنا كلاما مفيدا للعلامة ابن القيم مختصرا وقاصرا على النسيان، حيث يقول: اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في ذلك على ثلاث روايات إحداها: أنه لا يحنث في شيء من الإيمان بالنسيان سواء كانت من الإيمان المكفرة أو غيرها، وعلى هذه الرواية فيمينه باقية لم تنحل بفعل المحلوف عليه مع النسيان، لأن اليمين كما لم يتناول حالة النسيان بالنسبة إلى الحنث لم يتناولها بالنسبة إلى البر، إذ لو كان فاعلا للمحلوف عليه بالنسبة إلى البر لكان فاعلا له بالنسبة إلى الحنث، وهذه الرواية اختيار شيخ الإسلام وغيره، وهى أصح قولي الشافعي، اختاره جماعة من أصحابه، والثانية: يحنث في الجميع، وهى مذهب أبى حنيفة ومالك والثالثة: يحنث في اليمين التي لا تكفر كالطلاق والعتاق، ولا يحنث في اليمين المكفرة، وهى اختيار القاضي وأصحابه، والذين حنثوه مطلقا نظروا إلى صورة الفعل وقالوا: قد وجدت المخالفة، والذين فرقوا قالوا: الحلف بالطلاق والعتاق من باب التعليق على الشرط، فإذا وجد الشرط وجد المشروط سواء كان مختارا لوجوده أو لم يكن، كما لو قال: إن قدم زيد فأنت طالق ففعل المحلوف عليه في حال جنونه، فهل هو كنائم فلا يحنث، أو كالناسي فيجرى فيه الخلاف؟ على وجهين في مذهب الإمام احمد والشافعي، وأصحهما أنه كالنائم لأنه غير مكلف.
(1) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 212 - 214.
(2) انظر ما سبق ص 44 - 46.