الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله عز وجل: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} (الدخان:16) قال: يعني يوم بدر [1] . [2]
هذا وقد احتج أصحاب القول الأول على أصحاب القول الثاني بوجوه:
"الأول: إن قوله (يوم تأتي السماء بدخان) يقتضي وجود دخان تأتي به السماء وما ذكرتموه من الظلمة الحاصلة في العين بسبب شدة الجوع فذاك ليس بدخان أتت به السماء فكان حمل"
لفظ الآية على هذا الوجه عدولًا عن الظاهر لا لدليل منفصل، وإنه لا يجوز.
الثاني: أنه وصف ذلك الدخان بكونه مبينًا، والحالة التي ذكرتموها ليست كذلك لأنها عارضة تعرض لبعض الناس في أدمغتهم، ومثل هذا لا يوصف بكونها دخانًا مبينًا.
الثالث: أنه وصف ذلك الدخان بأنه يغشى الناس، وهذا إنما يصدق إذا وصل ذلك الدخان عليهم واتصل بهم والحال التي ذكرتموها لا توصف بأنها تغشى الناس إلا على سبيل المجاز وقد ذكرنا أن العدول من الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا لدليل منفصل" [3] ."
(قلت) : وسياق الآيات حجة مرجحة وليست قاطعة، بدليل أنه يمكن تأويل الآيات بما يتفق مع أن المراد بالدخان ما يكون قبيل يوم القيامة.
(وقلت) وقوله تعالى: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} ليس بحجة قاطعة لهم، فيمكن تأويله أن الله عز وجل يكشف عنهم عذاب الدخان لفترة زمنية محددة كما يكشف عذاب الدجال وعذاب يأجوج ومأجوج ... الخ، وقوله (إنكم عائدون) يمكن أن تأول: أي عائدون إلى الكفر، أو عائدون إلى الله للحساب، والله أعلم.
(وقلت) احتجاجهم بسبب النزول، فهو ليس مرويًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه، وهو بهذا يخالف أقوال الصحابة رضي الله عنهم الآخرين، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم إذا تعارضت فليس بعضهم حجة على بعض وإنما حجة على من بعدهم، ولذلك لنا أن نرجح بينها، ولا نأتي برأي جديد مخالف لها كلها.
القول الثالث:"إنه يوم فتح مكة (دخان) لما حجبت السماء الغبرة، قاله: عبد الرحمن الأعرج" [4] .
(1) صحيح البخاري، ك 65 (تفسير القرآن) ب 1 (فارتقب ... ) 3/ 492، ح (4821) .
(2) انظر: جامع البيان للطبري 25/ 111 وما بعدها، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 138 - 140، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/ 435 وما بعدها، والدر المنثور للسيوطي 7/ 405 وما بعدها، والتسهيل في علوم التنزل للكلبي 4/ 35، وفتح القدير للشوكاني 4/ 571، 572، والتفسير الكبير للرازي 9/ 656 - 658، وصفوة التفاسير للصابوني 3/ 171.
(3) التفسير الكبير للرازي 9/ 656، 657.
(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/ 437.