قال ابن كثير عن هذا الرأي:"وهذا القول غريب جدًا، بل منكر" [1] .
(قلت) : وهذا القول فيه نظر، لأن هناك فرق كبير بين الدخان الذي تأتي به السماء وبين الغبار المثار من الأرض، ثم هذا الغبار ليس بأليم فهو كأي غبار.
الترجيح:
قال ابن كثير:"قال ابن جرير: .... عن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس رضي الله عنه ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت قلت: لم؟ قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق فما نمت حتى أصبحت [2] ، وهكذا"
رواه ابن أبي حاتم ... وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنه حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها التي أوردوها بما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تبارك وتعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} أي: بين واضح يراه كل أحد، وعلى ما فسره ابن مسعود رضي الله عنه إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد وهكذا قوله تعالى: (يغشى الناس) أي: يتغشاهم ويعميهم، ولو كان أي أمرًا خياليًا يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه (يغشى الناس) " [3] ."
وقال الشوكاني:"والراجح منها أنه الدخان الذي كانوا يتخيلونه مما نزل بهم من الجهد وشدة الجوع، ولا ينافي ترجيح هذا ما ورد أن الدخان من آيات الساعة، فإن ذلك دخان آخر ولا ينافيه - أيضًا - ما قيل إنه الذي كان يوم فتح مكة، فإنه دخان آخر على تقدير صحة وقوعه" [4] .
(قلت) : بعد النظر والتدبر والتدقيق والاستقراء للآراء الثلاثة وأدلتها ومناقشاتها فيما بينها وترجيحات العلماء، فإن الذي يرجحه الباحث - والله أعلم - هو القول الأول لأدلته خاصة الأحاديث النبوية الثلاثة الصحيحة، ولردودهم على أدلة القول الثاني.
ب- تفسير آيات الدخان:
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 138.
(2) جامع البيان للطبري 25/ 113.
(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 139، 140.
(4) فتح القدير للشوكاني 4/ 571.