{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا} الآية قسم المؤمنين إلى المهاجرين والأنصار والذين لم يهاجروا فبدأ بالمهاجرين لأنهم أصل الإِسلام وأول من استجاب لله فهاجر قوم إلى المدينة وقوم إلى الحبشة وقوم إلى ابن ذي يزن ثم هاجروا إلى المدينة وكانوا قدوة لغيرهم في الإِيمان وسببًا لتقوية الدين من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وثنى بالانصار لأنهم ساوَوْهم في الإِيمان وفي الجهاد بالنفس والمال، لكنه عادل الهِجرة بالإِيواء والنصر، وانفرد المهاجرون بالسبق، وذكر ثالثًا من آمن ولم يهاجر ولم ينصر ففاتتهم هاتان الفضيلتان وحرموا الولاية.
{حَتَّى يُهَاجِرُوا} ومعنى أولياء بعض في النصرة والتعاون والمؤازرة كما جاء في غير آية: المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار فكان المهاجريّ يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري. قال ابن زيد: واستمر أمرهم كذلك إلى فتح مكة ثم توارثوا بعد لما لم تكن هجرة، فمعنى ما لكم من ولايتهم من شاء نفي الموالاة في التوارث، وكان قوله:
{وَأْوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}
[الأنفال: 75] ناسخًا لذلك.
{وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} والمعطوف مغاير للمعطوف عليه فوجب أن تكون الولاية المنفية غير النصرة."انتهى"ولما نزل ما لكم من ولايتهم من شاء حتى يهاجروا قال الزبير: هل نعينهم على أمران استعانوا بنا فنزل وان استنصروكم، والاستثناء في قوله: إلا على قوم معناه أن مَن بيننا وبينهم ميثاق لا ننصر المستنصرين الذين لم يهاجروا عليهم بل نتركهم وإياهم.