{قَالُوا يَاأَبَانَا} لما تقرر في أذهانهم التفريق بين يوسف وأبيه اعملوا الحيلة على يعقوب وتلطفوا في إخراجه معهم وذكروا نصحهم له وما في إرساله معهم في انشراح صدره بالارتعاء واللعب، إذ هو مما يشرح الصبيان وذكروا حفظهم له مما يسوؤه. وفي قوله: مالك لا تأمنّا على يوسف دليل على أنهم تقدم منهم سؤال في أن يخرج معهم، وذكروا سبب الأمن وهو النصح، أي لِمَ لمْ تأمنا عليه وحالتنا هذه. والنصح دليل على الأمانة ولهذا قرنا في قوله:
{نَاصِحٌ أَمِينٌ}
[الأعراف: 68] ، وكان قد أحسن منهم قبل ما أوجب ألا يأمنهم عليه. ولا تأمنا جملة حالية وهذا الاستفهام صحبه معنى التعجب. وقراء: لا تأمنا باختلاس الحركة والإِدغام. في لفظة أرسله دليل على أنه كان يمسكه ويصحبه دائمًا. وانتصب غدًا على الظرف وهو ظرف مستقبل يطلق على اليوم الذي يلي يومك، وعلى الزمن المستقبل من غير تقييد باليوم الذي يلي يومك، وأصله غدو فحذفت لامه وقد جاء تامًا.
وقراء: {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} بالياء وقراء: بالنون. واللعب هنا هو الاستباق والانتضال يتدربون بذلك لقتال العدو وسموه لعبًا لأنه بصورة اللعب ولم يكن ذلك للهو بدليل قولهم: إنا ذهبنا نستبق ولو كان لعب لهو ما أقرهم عليه يعقوب. ومن كسر العين من يرتع فهو يفتعل، قال مجاهد: هي المراعاة أي يراعي بعضنا بعضًا ويحرسه، ثم اعتذر لهم يعقوب عليه السلام بشيئين أحدهما عاجل في الحال وهو ما يلحقه من الحزن لمفارقته وكان لا يصبر عنه، والثاني خوفه عليه من الذئب إن أغفلوا عنه برعيهم ولعبهم، وعدل أخوة يوسف عن أحد الشيئين وهو حزنه على ذهابهم به لقصر مدة الحزن وإيهامهم أنهم يرجعون به إليه. وعدلوا إلى قضية الذئب وهو السبب الأقوى في منعه أن يذهبوا به فحلفوا له لئن كان ما خافه من خطفة الذئب أخاهم من بينهم وحالهم أنهم عشرة رجال بمثلهم تعصُب الأمور وتكفي الخطوب أنهم إذا لخاسرون أي هالكون ضعفًا وخورًا وعجزًا.