جعلها المخففة من الثقيلة وأضمر اسمها وهو ضمير الشأن وقدر إضمار القول حتى يكون الخبر جملة خبرية وهي أقول ولا حاجة إلى هذا التكليف مع سهولة كونها الشافية التي من شأنها نصب المضارع وقوله: إلا أنا انتقل من ضمير الغيبة إلى ضمير التكلم في قوله إلا أنا وإذا هنا للمفاجأة بعد خلقه من النطفة لم تقع المفاجأة بالمخاصمة إلا بعد أحوال تطور فيها فتلك الأحوال محذوفة وتقع المفاجأة بعدها وخصيم مبين يحتمل وجهين أحدهما أن يراد به الذم وهو مخاصمته لأنبياء الله صلى الله عليهم وأوليائه بالحجج الداحضة وأكثر ما ذكر الإِنسان في القرآن في معرض الذم أو مردفًا بالذم والوجه الثاني أن يراد به المدح لأنه تعالى قواه على منازعة الخصوم وجعله مبين الحق من الباطل ونقله من تلك الحالة الجمادية وهو كونه نطفة إلى الحالة الشريفة وهي حالة النطق والإِنابة ولما ذكر تعالى خلق الإِنسان ذكر ما امتنّ به عليه في قوام معيشته فذكر أولًا أكثرها منافع والزم لمن أنزل القرآن بلغتهم وذلك لإِنعام وتقدم شرح الانعام في الانعام والذي يظهر أن يكون لكم فيها دفء استئناف لذكر ما ينتفع به من جهتها ولذلك قابله بقوله: ولكم فيها جمال ودفء مبتدأ ولكم خبره ويتعلق فيها بما في لكم من معنى الاستقرار وجوز أبو البقاء أن يكون فيها حالًا من دفء إذ لو تأخر كان صفة وجوز أيضًا إذ يكون لكم حالًا من دفء وفيها الخبر وهذا لا يجوز لأن الحال إذا كان العامل فيها معنى فلا يجوز تقديمها على الجملة بأسرها لا يجوز قائمًا في الدار زيد فإِن تأخرت الحال عن الجملة جازت بلا خلاف والدفء اسم لما يدفأ به أي يسخن وتقول العرب دفاء يومنا فهو دفاء إذا حصلت فيه سخونة تزيل البرد قال الزمخشري: فإِن قلت: تقدم الظرف في قوله: ومنها تأكلون مؤذن بالاختصاص وقد يؤكل من غيرها.