و {إِيَّاكُمْ} مفعول يعبدون لما تقدم انفصل وإنما قدم لأنه أبلغ في الخطاب ولكون يعبدون فاصلة فلو أتى بالضمير متصلًا كان التركيب يعبدونكم ولم يكن فاصلة واستدل بتقديم هذا المعمول على جواز تقديم خبر كان عليها إذا كان جملة ولما أجابوا الله تعالى بدؤا بتنزيهه وبراءته من كل سوء كما قال عيسى عليه السلام ثم انتسبوا إلى موالاته دون أولئك الكفرة أي أنت ولينا إذ لا موالاة بيننا وبينهم وفي قولهم بل كانوا يعبدون الجن اشعار أنهم ما عبدوهم وان لم يصرح به ولكن الإِضراب ببدل يدل عليه وذلك لأن المعبود إذا لم يكن راضيًا بعبادة عابده مريدًا لها لم يكن ذلك العابد عابدًا له حقيقة فلذلك قالوا: بل كانوا يعبدون الجن لأن أفعالهم القبيحة هي من وساوس الشياطين واغوائهم ومراداتهم فهم عابدون لهم حقيقة إذ الشياطين راضون بتلك الأفعال والإِشارة بقوله: ما هذا إلا رجل إلى تالي الآيات المفهوم من قوله: وإذا تتلى وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى تعالى مطاعتهم عند تلاوة القرآن عليهم فبدؤا بالطعن في التالي بأنه يقدح في معبودات آلهتكم ثم ثانيًا: فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن بأنه كذب مختلق من عنده وليس من عند الله تعالى. وثالثًا: بأن ما جاء به سحر واضح لما اشتمل على ما يوجب الاستمالة وتأثير النفوس له وإجابته فطعنوا في الرسول عليه السلام وفيما جاء به وفي وصفه واحتمل أن يكون صدر من مجموعهم واحتمل أن يكون كل جملة منها قالها قوم غير من قال الجملة الأخرى وفي قوله: {لَمَّا جَآءَهُمْ} . دليل على أنه حين جاءهم لم ينكروا فيه بل بادهوه بالإِنكار ونسبته إلى السحر ولم يكتفوا بقولهم انه سحر حتى وصفوه بأنه واضح لمن يتأمله وقيل إنكار القرآن والمعجزة كان متفقًا عليه من المشركين وأهل الكتاب فقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ} على وجه العموم.