إذا تكلمت به الملائكة وتلقفها الجن وتلقفها منه الكاهن فالكاهن لم يعلم الغيب وأما تعبير المنامات فالمعبر غير المعصوم لا يعبر بذلك على سبيل البت والقطع بل على سبيل الحزر والتخمين فقد يقع ما يعبر وقد لا يقع وأما الكاهنة البغدادية وما حكى عنها محسبة أن يستدل بأحوال امرأة لم يشاهدها ولو شاهد ذلك لكان في عقله ما يجوز أنه لبس عليه هذا وهو العالم المنصف الذي طبق ذكره الآفاق وهو الذي شكك في دلائل الفلاسفة وسامهم الخسف وأما نقل الملك سنجر الكاهنة إلى خراسان وإشهارها أنها تعلم الغيب وأنه سألها عن أشياء في المستقبل فأخبرت بها فإِن الملوك لهم أذهان لطيفة ومقاصد خفيفة وفكرة دقيقة في تدبير المملكة فاستصحب هذه المرأة ليوهم بذلك أهل مملكته وحاشيته أن عنده من يعلم الغيب وأخبرهم بما رتب معها فيمن عنده من أهل مملكته خائفون دائمًا أن يظهر عنهم ما يشوش على الملك ولذلك استخدم عقلاء الملوك المنجمين وضراب الرمل وإن كانوا يعتقدون أنهم ليس لهم إطلاع على شاء من الغيب كل ذلك إيهام منهم لأهل مملكتهم فإِنهم رعاع همج يصدّقون بالمستحيلات وتؤثر فيهم الأوهام وأما حكايته عن صاحب المعتبر فهو يهودي أظهر الإِسلام فهو منتحل طريقة الفلاسفة وأما مشاهدته أصحاب الإِلهامات الصادقة فعلى من العمر نحو من ثمانين سنة أصحب العلماء وأتردد إلى من ينتمي إلى الصلاح فلم أر أحدًا منهم صاحب الهام صادق وأما الكرامات فإِني لا أشك في صدور شاء منها لكن على سبيل الندرة وذلك فيمن سلف من صلحاء هذه الأمة وربما قد يكون في أعصارنا من تصدر منه الكرامة ولله تعالى أن يخص من شاء بما شاء.
{لِّيَعْلَمَ أَن} الضمير عائد على الرسول عليه السلام إذ قد تقدّم ذكره في قوله وإنه لما قام عبد الله أن الملائكة الحفظة إلى حد النازلين بين يدي جبريل عليه السلام وخلفه قد أبلغوا رسالات ربهم.