والوجه الثاني: أن يكون معناه صار ذا حل أي حلالًا بتحليل الله، وذلك أن الصيد على قسمين حلال وحرام ولا يختص الصيد في لغة العرب بالحلال ألا ترى إلى قول بعضهم أنه ليصيد الأرانب حتى الثعالب لكنه يختص به شرعًا وقد تجوزت العرب وأطلقت الصيد على ما لا يوصف بحل ولا حرمة نحو قول الشاعر:
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقًا
وعثّر اسم موضع. وقال آخر:
وقد ذهبت سلمى بعقلك كله ... فهل غير صيد أحرزته حبائله
وقال امرؤ القيس:
وهو نضيد قلوب الرجال ... وأفلت منها ابن عمر وحجر
ومجيء أفعل البلوغ على الوجهين المذكورين كثير من لسان العرب فمن مجياء أفعل البلوغ المكان ودخوله قولهم: أحرم الرجل وأعرق وأشأم وأيمن وأتهم وأنجد إذا بلغ هذه المواضع وحل بها.
ومن مجيء أفعل بمعنى صار ذا كذا قولهم: أعشبت الأرض وأبقلت وأغدّ البعير وألبنت الشاة وغيرها، وأجرت الكلبة وأصرم النخل وأبلت الناقة وأحصد الزرع وأجرب الرجل وانجبت المرأة. وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلًا باعتبار أحد الوجهين المذكورين من كونه بلغ الحل أو صار ذا حل اتضح كونه استثناء ثانيًا، ولا يكون استثناء من استثناء إذ لا يمكن ذلك لتناقض الحكم لأن المستثنى من المحلل محرم والمستثنى من المحرم محلل. بل إذا كان المعنى بقوله: بهيمة الانعام الانعام أنفسها فيكون استثناء منقطعًا وإن كان المراد الظباء وبقر الوحوش وحمرة ونحوها فيكون استثناء متصلًا على أحد تفسيري المحل استثناء الصيد الذي بلغ الحل في حال كونهم محرمين.