{ذلِكُمْ فِسْقٌ} الظاهر أنه إشارة إلى الاستقسام بالأزلام إذ كان فيه استخراج شيء من المغيبات التي انفرد الله بعلمها. {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ} اليأس قطع الرجاء. يقال يأس بالهمز بيأس وييئس، ويقال: أيس، وهو مقلوب من يئس ودليل القلب تخلف الحكم عما ظاهره انه موجب له الا ترى أنهم لم يقبلوا ياءه الفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فلم يقولوا آس، كما قالوا: هات واليوم الألف واللام فيه للعهد وهو يوم عرفة، قاله مجاهد وابن زيد. وقيل: هو يوم نزولها بعد العصر في حجة الوداع يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الموقف على ناقته وليس في الموقف مشرك. وقيل: اليوم الذي دخل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مكة لثمان بقين من شهر رمضان سنة تسع، وقيل: سنة ثمان، ونادى مناديه بالأمان لمن لفظ بشهادة الاسلام ولمن وضع السلاح ولمن أغلق بابه.
و {الَّذِينَ كَفَرُوا} أعم من مشركي العرب وغيرهم.
ومعنى: {مِن دِينِكُمْ} من تغييره وتبديله إذ كان في حجته تلك صلى الله عليه وسلم كملت شرائع الاسلام، ولذلك قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} أي في ظهور الاسلام وكمال الدين وسعة الأحوال وغير ذلك مما انتظمته هذه الملة الحنيفية إلى دخول الجنة والخلود فيها. وقيل: بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم وأنه لم يحج مشرك ولم يطف بالبيت عريان وانتصب دينًا على الحال. {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} المخمصة المجاعة التي تخمص فيها البطون أي تضمر. وقال الأعشي:
تبيتون في الشتاء ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتْن خمائص
أي فمن اضطر لأكل شيء مما ذكر تحريمه في مجاعة فأكل. {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ} أي غير متلبس بمعصية ولا مائل إليها فأكل فلا إثم عليه.