{وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا} قال ابن عباس وغيره: في الكلام حذف تقديره ولو أنزلنا ملكًا فكذبوه لقضي الأمر بعذابهم ولم يؤخروا حسب ما في كل أمة اقترحت آية وكذبت بها بعد ظهورها.
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا} أي ولو جعلنا الرسول ملكًا كما اقترحوا لأنهم كانوا يقولون لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون: ما هذا إلا بشر مثلكم. ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة. ومعنى لجعلناه رجلًا أي لصيّرناه في صورة رجل كما كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غالب الأحوال في صورة دِحْية، وكما تمثل لمريم في صورة بشر، وكما في حديث سؤال جبريل عليه السلام بحيث رآه الصحابة في صورة رجل يسأل عن الإِسلام والإِيمان والإِحسان. وللبسنا أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذٍ بأنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان هذا إنسان وليس بملك.
{وَلَقَدِ اسْتُهْزِاءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من قومه وتأسَّ بمن سبق من الرسل. وقالت الخنساء:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي
{فَحَاقَ} يقال: حاق يحيق حيقًا وحيوقًا وحيقانًا، أي أحاط. ومعنى سخروا استهزؤا إلا أن استهزأ تعدى بالباء وسخر بمن كما قال
{إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}
[هود: 38] . وبالباء تقول سخرت به، وكان اللفظ سخروا وإن كان معناه استهزوا لئلا يكثر في الجملة الواحدة لفظ الاستهزاء إذ أوله ولقد استهزاء وآخره يستهزؤون فكان سخروا أفصح.