""""""صفحة رقم 71""""""
والحاصل أن الأحاديث والآثار دلت على اشتراط إقامتها في بلد يسكنه عدد كثير بحيث يصلح أن يسمى بلداً ، ولم تدل على اشتراط ذلك العدد بعينه في حضورها لتنعقد بل أي جمع أقاموها صحت بهم وأقل الجمع ثلاثة غير الإمام فتنعقد بأربعة أحدهم الإمام ، هذا ما أداني الاجتهاد إلى ترجيحه ، وقد رجح هذا القول المزني كما نقله عنه الأذرعي في القوت ، وكفى به سلفاً في ترجيحه فإنه من كبار الآخذين عن الإمام الشافعي ومن كبار رواة كتبه الجديدة ، وقد أداه اجتهاده إلى ترجيح القول القديم ، ورجحه أيضاً من أصحابنا أبو بكر بن المنذر في الأشراف ونقله عنه النووي في شرح المهذب ، قال الماوردي في الحاوي قال المزني: احتج الشافعي بما لا يثبته أصحاب الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلّم حين قدم المدينة جمع بأربعين انتهى ، وهذا هو الذي استدل إنه لا دلالة فيه ، ثم قال الماوردي: وقد قدح في حديث كعب بأنه مضطرب لا يصح الاحتجاج به لأنه يروي تارة أن مصعباً صلى بالناس ويروى تارة أخرى أن سعد بن زرارة صلى بهم ، وروى تارة بالمدينة وتارة ببني بياضة ، فلأجل اضطرابه وإختلاف روايته لا يصح الاحتجاج به قلت: ومن اضطرابه أنه روى أنهم كانوا أربعين ، وروى أنهم كانوا اثني عشر كما تقدم ، ثم قال الماوردي: ومن الدليل ما روى سليمان بن طريف عن مكحول عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: إذا اجتمع أربعون رجلاً فعليهم الجمعة ، وهذا الحديث أورده صاحب التتمة ثم الرافعي ، وقال الحافظ ابن حجر في تخريجه: لا أصل له ، وأورد الرافعي وغيره حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: ( لا جمعة إلا بأربعين ) قال الحافظ ابن حجر أيضاً ولا أصل له ، وقال ابن الرفعة في الكفاية: إن انتفت الأدلة المنصوصة على اعتبار الأربعين قلنا الأصل الظهر عاماً ، وإنما يرد إلى ركعتين بشرائط منها العدد وأصله مشروط بالإجماع ، ولم ينقل عن الشارع لفظ صريح في التقدير ، وفهم منه طلب تكثير الجماعة لأنه لم يشرع جمعتين في بلد فأكثر كما في غيرها من الصلوات ، وأكثر ما قيل فيه أربعون فأخذنا به احتياطاً ثم قال: وقد اعترض بعضهم على هذا بأن الإمام أحمد اشترط في عقدها خمسين في أحد قوليه .
قلت: وحاصل ما ذكره ابن الرفعة أنه لم يوجد دليل من النص على اعتبار الأربعين فعدل إلى هذه الطريقة من الاستدلال ، وهذا هو الذي عول عليه الماوردي ، وإمام الحرمين ، والغزالي ، وغيرهم وتبعهم الرافعي ، والنووي .
خاتمة: أعلم أن ترجيحاً لهذا القول أولى من ترجيح المتأخرين جواز تعدد الجمعة ، فإنه ليس للشافعي نص بجواز التعدد أصلاً لا في الجديد ولا في القديم ، وإنما وقع منه في القديم سكوت فاستنبطوا منه رأياً بالجواز ثم زادوا فرجحوه على نصوصه في الكتب الجديدة وهو نفسه قد قال: لا ينسب لساكت قول فكيف ينسب إليه قول من سكوته ويرجح على نصوصه المصرحة بخلافه ، وأما الذي نحن فيه فإنه نص له صريح وقد اقتضت الأدلة ترجيحه فرجحناه فهو في الجملة قول له قام الدليل على ترجيحه على قوله الثاني فهو أولى