وكذلك لما قال تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [الحديد: 10] ربما توهم أحد أن المفضولين ليس لهم عند الله مقام ولا مرتبة، فأزال هذا الوهم بقوله: {وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10] ثم لما كان ربما يتوهم أن هذا الأجر يُستحق بمجرد العمل المذكور ولو خلا من الإخلاص، أزال هذا الوهم بقوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10] .
ومنها قوله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ} [النمل: 48] ربما وقع في الذهن أنهم يفسدون وقد يصلحون، أزال هذا بقوله: {وَلاَ يُصْلِحُونَ} [النمل: 48] أي: لا خير فيهم أصلاً، مع شرهم العظيم.
ومنها: أنه قال في عدة مواضع: {وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [النمل: 80] و [الروم: 52] ربما يتوهم أحدٌ أنهم وإن لم يسمعوا فإنهم يفهمون الإشارة، أزال هذا الاحتمال بقوله: {إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل: 80] فهذه حالة لا تقبل سماعاً ولا رؤية لتحصل الإشارة، وهذا نهاية الإِعراض.
ومنها قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] ربما توهم أحد أن هدايته تقع جزافاً من غير سبب، أزال هذا بقوله: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] أي: بمن يصلح للهداية لزكائه وخيره، ممن ليس كذلك، فأبان أن هدايته تابعة لحكمته التي هي وضع الأشياء مواضعها، ومن كان حَسَن الفهم رأى من هذا النوع شيئاً كثيراً.
القاعدة الثامنة والعشرون:
في ذكر الأوصاف الجامعة التي وصف الله بها المؤمن.
لما كان الإيمان أصل الخير كله والفلاح، وبفقده يفقد كل خير ديني ودنيوي وأخروي، أكثر الله من ذكره في القرآن جداً: أمراً به، ونهياً عن