وكذلك يذكرهم نعمه بلفت أنظارهم إلى تأمل ضدها، كقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِهِ} [الأنعام: 46] {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} الآيات [القصص: 71] . وتَلْمَح على هذا المعنى قصة يعقوب وبنيه حين اشتدت بهم الأزمة، ودخلوا على يوسف وقالوا: قد {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} الآية [يوسف: 88] ثم بعد قليل قال: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99] في تلك النعمة الواسعة، والعيش الرغيد، والعز المكين، والجاه العريض، فتبارك من لا يدرك العباد من ألطافه ودقيق بره أقل القليل [1] .
ويناسب هذا من ألطاف الباري: أن الله يُذكِّر عباده في أثناء المصائب ما يقابلها من النعم لئلا تسترسل النفوس للجزع؛ فإنها إذا قابلت بين المصائب والنعم خفَّت عليها المصائب، وهان عليها حملها، كما ذكَّر الله المؤمنين حين أُصيبوا بأُحد ما أصابوا من المشركين ببدر، فقال: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ} [آل عمران: 165] وأدخل هذه الآية في أثناء قصة أُحد {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *} [آل عمران: 123] ويبشر عبده بالمخرج منها حين تباشره المصائب؛ ليكون هذا الرجاء مُخَفِّفاً لما نزل من البلاء، قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ
هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [يوسف: 15] وكذلك رؤيا يوسف إذا ذكرها يعقوب رجا الفرج، وهبَّ على قلبه نسيم الرجاء؛ ولهذا قال: يَابَنِيَّ اذْهَبُوا
(1) - من هذا الموضع بداية القطعة الموجودة من النسخة (ب) .