الحصول عليه بخط كبير واضح على ورقة خاصة عريضة، وأن يجلس إليها يتأملها يوميًّا طوال دقائق معينة يخصصها لهذا التمرين. هذه الطريقة توافق أكثر ما توافق، المضطربين المتهيجين الذين لا يستقطبون انتباهم إلا حول نقطة ارتكاز مادية. أما الكسالى، والجامدون، فإن أفضل منشط لأدمغتهم، هو أن يسيروا، أن يتمشوا بسرعة وهم يستعيدون في سريرتهم الجمل التي كتبوها، فالحركة الجسمية تبعث على تحرك في الدماغ، كما أن جمود البدن يميل إلى تهدئة التهيج العصبي. وإن اتباع الإرشادات السابقة، يتطلب قدرة على بذل جهد فكري. وأضعف امرئ يجد هذه القدرة حين يمعن النظر قليلًا، ويحاول أن يحكم على الأشياء بعقله.
والواقع أنه ما من إنسان إلا ويشعر خلال ساعات يوم كامل، وفي مجرى النهار خاصة، بحركات داخليّة نفسيّة، تنبعث عن مطامحه وتطلعاته الدفينة. تتمثل هذه الحركات في حالات وجدانية متنوعة، من تحصيل ميزة من الميزات المحبوبة، إلى نظرة من عاهة نفسية وحرص على حذفها، إلى تشوق لرفاهية مادية، إلى اهتمام بشيء وحب اقتنائه، إلى تعلق بمتعة ما، أو نشدان للاحترام والنفوذ والوجاهة .. الخ. فإذا تعوّد المرء أن يتبع هذه المطامح حين ترد على ذهنه، وتملأ وجدانه، بفكرة الإرادة التي تخلق في نفسه استعدادًا، وإن مؤقتًا، يحقّقها بالاجتهاد. وإنّ استغلال هذه اللحظات التي تستعد بها النفس، لتوسيع الوثبة الفاعلة في طريق التأمل، يحقق الخطوة الأولى لنمو الإرادة، ويفتح أمامها الباب لتلج آفاق القوى الكبرى، والعظمة المثلى.
إن مجرد تفكير المرء في أن يصبح شخصية قوية صحيًا وأخلاقيًا، وماديًا ومعنويًا، أو تأمله ما هو عليه بعد أن يعمل ويجهد، من علو شأن، وتوفيق في الحياة، وسعة في العلم، وقدرة على حكم النفس وفق مبادئ يعتقد بصوابها، يحقق سلسلة من قوى أفكار تجري في قناة واحدة، وتصب في الإرادة بمشاركة النصائح التي أسداها لنفسه وكتبها من قبل، لنواجه إذن الكلَلَ والتعب والتردد والجمود بمطامح عالية، ولنكرر على أنفسنا أننا لن نترك لرغباتنا الدنيا سبيلًا إلى تقيدنا، أو تكبيلنا عن تحقيق تطلعاتنا السامية الخيّرة، ولنعتقد أخيرًا أن الإرادة المدربة المعدة، تمثل أفضل وسيلة من وسائل العمل.