الذين يتصلون بقوم معاهدين للمسلمين ويلجأون إلى أهل عهدكم بمهادنة أو عقد ذمة، فينضمون إليهم في عهدهم، فاجعلوا حكمهم كحكم المعاهدين. وهذا موافق
لما جاء في صلح الحديبية في صحيح البخاري: «من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد وأصحابه وعهدهم، دخل فيه» .
قال أبو بكر الرازي: إذا عقد الإمام عهدا بينه وبين قوم من الكفار، فلا محالة يدخل فيه من كان في حيزهم ممن ينسب إليهم بالرحم أو الحلف أو الولاء، بعد أن يكون في حيزهم ومن أهل نصرتهم وأما من كان من قوم آخرين فإنه لا يدخل في العهد ما لم يشرط، ومن شرط من أهل قبيلة أخرى دخوله في عهد المعاهدين، فهو داخل فيهم إذا عقد العهد على ذلك، كما دخلت بنو كنانة في عهد قريش.
الثاني:
المحايدين: الذين جاءوكم وقد ضاقت صدورهم بقتالكم وأبغضوا أن
يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم، وهم بتعبير العصر: المحايدون، فهم لا يقاتلون المسلمين بمقتضى العهد، ولا يقاتلون قومهم، حفاظا على أصل الرابطة العرقية أو الجنسية معهم، فهم قومهم، وهم بذلك معذورون.
وكلا الفريقين يعاملون بقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة 2/ 190] .
وكان من رحمة الله ولطفه بكم أن سالموكم وكفّ بأس هذين الفريقين عنكم، ولو شاء الله لسلطهم عليكم بأن يلهمهم القتال فيقاتلوكم.
فإن اعتزلكم هؤلاء وأمثالهم فلم يقاتلوكم، وألقوا إليكم المسالمة، فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك. وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال، وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا
نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره.
قال الزمخشري: فقرر أن كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض عنهم وترك الإيقاع بهم.