وجوابه: أن معنى {فِيمَ كُنتُمْ} التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذاراً عما وبخوا به، واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة، ثم إن الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر بل ردوه عليهم فقالوا: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا} أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، فبقيتم بين الكفار لا للعجز عن مفارقتهم، بل مع القدرة على هذه المفارقة، فلا جرم ذكر الله تعالى وعيدهم فقال: {فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً} . انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 11 صـ 11}
[فائدة]
قال القرطبي:
والمراد بقوله: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً} المدينة؛ أي ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم! وفي هذه الآية دليل على هِجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي.
وقال سعيد بن جبير: إذا عمِل بالمعاصي في أرض فاخرج منها؛ وتلا: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من فرّ بِدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمدٍ عليهما السَّلام". انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 5 صـ 346 - 347} .
[فائدة]
قال ابن عاشور:
وظاهر الآية أنّ الخروج إلى كلّ بلد غير بلد الفتنة يعدّ هجرة، لكن دلّ قوله: {مهاجراً إلى الله ورسوله} [النساء: 100] أنّ المقصود الهجرة إلى المدينة وهي التي كانت واجبة، وأمّا هجرة المؤمنين إلى الحبشة فقد كانت قبل وجوب الهجرة؛ لأنّ النبي وفريقاً من المؤمنين، كانوا بعدُ بمكة، وكانت بإذن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ردّ مفحم لهم.