وبهذا حسم الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر ولم يعد لرجال الدين أن يتدخلوا في أي أمر لا تستقيم به الحياة إلا بناء على التجربة المعملية . ولذلك يقال عن الإسلام: إنه دين العلم ؛ لأنه أتاح لرجال العلم أن ينطلقوا في تأمل آيات الله في هذا الكون ، بل دعاهم وأمرهم أن يستنبطوا أسرار هذا الكون . أما في أمور السلوك البشري وحركة المجتمع فقد أنزل الحق من المنهج ما يكفي لعدم استعلاء أحد على أحد ، وأن نضبط السلوك الإنساني بتعاليم المنهج الإيماني .
لقد جاء المنهج الإيماني في كل الرسالات ، وكانت الرسالة الخاتمة هي رسالة محمد ابن عبدالله ، وكانت البشارة به موجودة في التوراة والإنجيل . ويقول الحق: {الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} فهل عمل أهل الكتاب بمقتضى هذه المعرفة؟ لا ؛ ذلك أن بعضاً منهم خافوا أن تؤخذ منهم سلطتهم الزمنية ، وأكبر مثال على ذلك هو عبدالله بن أُبي الذي كان رأس النفاق في الإسلام والذي كان يستعد لتولي مُلْك المدينة قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إليها . وكان هناك من أهل الكتاب من عمل بهذه النبوءة ، مثال ذلك: عبدالله بن سلام رضي الله عنه .
ولم يظلم القرآن أحداً ، بل قال عن بعض أهل الكتاب: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين} [المائدة: 83] .
إذن لم يظلم الحق الذين آمنوا من أهل الكتاب عندما وجدوا أن منهج الإسلام مطابق لما جاء إليهم . لكن بعض أهل الكتاب كفر وعادَى رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفاً على السلطة الزمنية التي كانت لهم .