وَالْعَرَبُ إِذَا أَرَادَتْ بِالْهُونِ مَعْنَى الْهَوَانِ ضَمَّتِ الْهَاءَ، وَإِذَا أَرَادَتْ بِهِ الرِّفْقَ وَالدَّعَةَ وَخِفَّةَ الْمَؤُونَةِ فَتَحَتِ الْهَاءَ، فَقَالُوا: هُوَ قَلِيلُ هَوْنِ الْمَؤُونَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}
يَعْنِي: بِالرِّفْقِ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَنْدَلَ بْنِ الْمُثَنَّى الطُّهَوِيِّ:
[البحر الرجز]
وَنَقْضِ أَيَّامٍ نَقَضْنَ أَسْرَهُ ... هَوْنًا وَأَلْقَى كُلُّ شَيْخٍ فَخْرَهُ
وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر البسيط]
هَوْنَكُمَا لَا يَرُدُّ الدَّهْرُ مَا فَاتَا ... لَا تَهْلِكَا أَسَفًا فِي إِثْرِ مَنْ مَاتَا
يُرِيدُ: رَوْدًا. وَقَدْ حُكِيَ فَتْحُ الْهَاءِ فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى الْهَوَانِ، وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِبَيْتِ عَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ:
[البحر المتقارب]
نُهِينُ النُّفُوسَ وَهَوْنُ النُّفُو ... سِ عِنْدَ الْكَرِيهَةِ أَعْلَى لَهَا
وَالْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِهِمْ ضَمُّ الْهَاءِ مِنْهُ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْهَوَانِ وَالذُّلِّ، كَمَا قَالَ ذُو الْإِصْبَعِ الْعُدْوَانِيِّ:
[البحر البسيط]
اذْهَبْ إِلَيْكَ فَمَا أُمِّي بِرَاعِيَةٍ ... تَرْعَى الْمَخَاضَ وَلَا أُغْضِي عَلَى الْهُونِ
يَعْنِي عَلَى الْهَوَانِ.
وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الرِّفْقِ فَفَتْحُهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) }
وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا هُوَ قَائِلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِهِ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ، يُخْبِرُ عِبَادَهُ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ: {لَقَدْ جِئْتِمُونَا فُرَادَى} ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: (فُرَادَى) : وُحْدَانًا، لَا مَالَ مَعَهُمْ، وَلَا أَثَاثَ، وَلَا رَفِيقَ، وَلَا شَيْءَ مِمَّا كَانَ اللَّهُ خَوَّلَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
{كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} عُرَاةً غُلْفًا غُرْلًا حُفَاةً