ومن هذا السياق انتقل كتاب الله إلى وصف المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم، والذين أعدتهم الأقدار ليكونوا جند الله وحزبه في كل جيل، فقال تعالى في وصفهم تمييزا لهم عن غيرهم: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ
السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ.
فوصف (التائبين) يقتضي أنهم متمسكون بطاعة الله لا يقربون معصيته، وأنهم إذا فرط منهم ذنب عن غفلة وجهالة ذكروا الله في الحين فاستغفروا لذنوبهم.
ووصف (العابدين) يقتضي أنهم قائمون بعبادة الله محافظون عليها قولا وفعلا، وأنهم لا يقصدون من ورائها إلا وجه الله وابتغاء مرضاته.
ووصف (الحامدين) يقتضي أنهم يصرفون نعمة الله التي ينعم بها عليهم في طاعته، وأنهم لا يسخطون أبدا ولا يتبرمون بقضائه كيفما كان.
ووصف (السائحين) يقتضي أنهم محافظون على فريضة الصيام، لا يهملون القيام بها، وإن تغيرت الفصول والأعوام. روي عن ابن عباس أنه قال:"كلما ذكر الله السياحة في القرآن فالمراد بها الصوم والصائمون". وقالت عائشة:"سياحة هذه الأمة الصيام". وقال الحسن البصري:"السائحون هم الصائمون شهر رمضان". وبهذا المعنى ورد قوله تعالى: {سَائِحَاتٍ} أي صائمات في قوله تعالى في سورة التحريم المدنية أيضا: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ} [الآية: 5] .
قال الحافظ ابن كثير:"وليس المراد من السياحة ما قد"
يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا العمل ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال -أي أعاليها وقممها- ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن) .