وهو سبحانه يقول: {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ} [سبأ: 18]
فكأن هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد نسبت التسيير إلى الله سبحانه ، وبعض الآيات الأخرى نسبت التسيير إلى النفس الإنسانية ، ونقول لمن توهموا أن في ذلك تعارضاً:
لو أنكم فطنتم إلى تعريف الفاعل عند النحاة وكيف يرفعونه ؛ لعرفتم أن تحقق أي فعل إنما يعود إلى مشيئة الله سبحانه ، فحين نقول:"نجح فلان"فهل هو الذي نجح ، أم أن الذي سمح له بالنجاح غيره؟ إن الممتحن والمصحِّح هما من سمحا له بالنجاح ؛ تقديراً لإجاباته التي تدل على بذَل المجهود في الاستذكار .
وكذلك نقول:"مات فلان"، فهل فلان فعل الموت بنفسه؟ خصوصاً ونحن نعرب"مات"كفعل ماضٍ ، ونعرب كلمة (فلان) "فاعل"أو نقول: إن الموت قد وقع عليه واتَّصف به ؛ لأن تعريف الفاعل: هو الذي يفعل الفعل ، أو يتّصف به .
وإذا أردنا أن ننسب الأشياء إلى مباشرتها السببية ؛ قلنا:"سار الإنسان".
وإذا أردنا أن نؤرِّخ لسير الإنسان بالأسباب ، وترحَّلنا به إلى الماضي ؛ لوجدنا أن الذي سيَّره هو الله تعالى .
وكل أسباب الوجود إنْ نظرتَ إليها مباشرة ؛ وجدتها منسوبة إلى من هو فاعل لها ؛ لكنك إذا تتبَّعتها أسباباً ؛ وجدتّها تنتسب إلى الله سبحانه .
فمثلاً: إذا سُئلت: مَنْ صنع الكرسي؟ تجيب: النجار . وإنْ سألت النجار: من أين أتيت بالخشب؟ سيجيبك: مِن التاجر . وسيقول لك التاجر أنه استورده من بلاد الغابات ، وهكذا .
إذن: إذا أردت أن تسلسل كل حركة في الوجود ؛ لا بد أن تنتهي إلى الله تعالى .
وحين قال الحق سبحانه: {فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ} [القصص: 29]
نفهم من ذلك أن موسى عليه السلام قد سُيِّر بأهله ؛ لأن التسيير في كل مقوماته من الله تعالى .
والمثال الآخر: نحن نقرأ في القرآن قوله الحق: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى} [النجم: 43]