وتجد من يقول لك: ألا تعرف فلاناً؟ فتقول: لا أعرفه ، فيرد عليك صاحبك: إنه مثل فلان في الشكل . وهكذا عرَّفْتَ المجهول بمعلوم .
وبعض من الذين يحاولون الاعتراض على القرآن ، دخلوا من هذه الناحية ، وقالوا: إذا كان الشيء مجهولاً ونريد أن نعرِّف به ، ألا نعرِّفه بمعلوم؟ فما بال الله سبحانه وتعالى يقول في شجرة الزقوم: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين} [الصافات: 6465] .
ما بال الله سبحانه يبين شجرة الزقوم ، وهي شجرة في النار لا نعرفها ، فيعرِّفها للمؤمنين به بأن طلعها يشبه رءوس الشياطين ، وبذلك يكون سبحانه قد مثَّل مجهولاً بمجهول . والذين قالوا ذلك فاتهم أن الذي يتكلم هو الله تعالى . وقد أراد الحق سبحانه أن يُمثِّل لنا شجرة الزقوم بشيء بشع معلوم لنا ، والبشع المعلوم هو الشيطان .
وشاء الحق سبحانه ألا يحدد البشاعة ؛ حتى لا ينقضي التشبيه ؛ لأن الشيء قد يكون بشعاً في نظرك ، وغير بشع في نظر غيرك . ويريد الله سبحانه أن يبشع طلع شجرة الزقوم ؛ فاختار الشيء المتفق على بشاعته ، وهو رءوس الشياطين ، وليتصور كل إنسان صورة الشيطان ، بما ينفر منه ويقبِّحه ، وهكذا تتجلَّى عظمة الحق سبحانه في أن جعل شكل الشيطان مبهماً .
وأما المثل الذي نحن بصدده هنا وهو تشبيه الحياة الدنيا بأنها كالماء الذي أنزله الحق سبحانه من السماء فاختلط به نبات الأرض ، والحياة الدنيا نحن ندرك بعضها ، وكلٌّ منا يدرك فترة منها ، ولم يدرك أولها ، وقد لا يدرك آخرها ، فجاء الحق سبحانه بمثل يراه كل واحد منا ، وهو الزرع الذي يرتوي بالمطر ، فأراد الحق سبحانه أن يجمع لنا صورة الدنيا في مثلٍ معروف لنا جميعاً ، وندركه جميعاً ؛ فندرك ما سبق ، وما يلحق ، فكل شيء يأخذ حظه في الازدهار ، والجمال ، ثم ينتهي ، كذلك الدنيا .
يقول الحق سبحانه: