وهنا يقول الحق سبحانه: {حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت} [يونس: 24] .
والأرض تتزين بأمر ربها ، والحق سبحانه ينسب الإدراكات إلى ما لا نعرف أن له عقلاً أو إرادة . ألم يقل الحق سبحانه في قصة العبد الصالح: {فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} [الكهف: 77] .
فهل يملك الجدار إرادة أن ينقضَّ؟ ولو حققنا الأمر جيداً ؛ لوجدنا أن الحق سبحانه جعل لكل كائن في الوجود حياة تناسبه ، وله إرادة تناسبه ، وله انفعال يناسبه . وقد ضرب الحق سبحانه لنا في ذلك صوراً شتّى ، فنجد أن الشيء الذي يعزُّ على عقولنا أن تفهمه يبرز لنا ببيان من الله تعالى .
ومثال هذا: معرفة الهدهد في قصة سليمان عليه السلام بالتوحيد ، وكيف أخبر هذا الهدهد سيدنا سليمان عليه السلام بحكاية مملكة سبأ حيث يسجد الناس هناك للشمس من دون الله ، فكأن الهدهد قد علم مَنْ يستحق السجود له إذ قال: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ الذي يُخْرِجُ الخبء فِي السماوات والأرض} [النمل: 25] .
ومن كان يظن أن الهدهد ، وهو طائر ، يكون على هذه البصيرة بالعقائد على أصفى ما تكون؟ لأن الحق سبحانه أراد أن يبيّن لنا أن هذا الطائر لا هوى له يفسد عقيدته ، وأن أهواءنا هي التي تفسد العقائد ، ومَنْ أعطاه الله سبحانه البدائل هو الذي يفسد الاختيار ما دام لا يحرس الاختيار بالإيمان ، وأن يختار في ضوء منهج الله تعالى .
ونحن نرى أن ما دون الإنسان من طائر أو حيوان لا يفسد شيئاً ؛ لأن غريزته تقوده ، فلا نجد حيواناً يأكل فوق طاقته ، لكننا نجد إنساناً يصيب نفسه بالتخمة ، ولا نجد حماراً يقفز فوق قناة من الماء لا يقدر عليها ، بل نراه وهو يتراجع عنها ، وكلنا نجد إنساناً يشمر عن ساعديه ؛ ليقفز فوق قناة مياه ؛ فيقع فيها .