وقال وهب بن منَبّه: إنما كان تزويجه زليخاء امرأة العزيز بين دخلتي الإخوة ، وذلك أن زليخاء مات زوجها ويوسف في السجن ، وذهب مالها وعمي بصرها بكاء على يوسف ، فصارت تَتَكفّف الناس ؛ فمنهم من يرحمها ومنهم من لا يرحمها ، وكان يوسف يركب في كل أسبوع مرة في موكب زُهَاء مائة ألف من عظماء قومه ، فقيل لها: لو تعرّضت له لعله يسعفك بشيء ؛ ثم قيل لها: لا تفعلي ، فربما ذكربعض ما كان منك من المراودة والسجن فيسيء إليك ، فقالت: أنا أعلم بخُلُق حبيبي منكم ، ثم تركته حتى إذا ركب في موكبه ، (قامت) فنادت بأعلى صوتها: سبحان من جعل الملوك عبيداً بمعصيتهم ، وجعل العبيد ملوكاً بطاعتهم ، فقال يوسف: ما هذه؟ فأتوا بها ؛ فقالت: أنا التي كنت أخدمك على صدور قدميّ ، وأُرَجِّل جُمَّتك بيديّ ، وتربيت في بيتي ، وأكرمت مثواك ، لكن فرط ما فرط من جهلي وعُتوّي فذقت وبال أمري ، فذهب مالي ، وتضعضع ركني ، وطال ذلّي ، وعَمِي بصري ، وبعد ما كنت مغبوطة أهل مصر صرت مرحومتهم ، أتكفّف الناس ، فمنهم من يرحمني ، ومنهم من لا يرحمني ، وهذا جزاء المفسدين ؛ فبكى يوسف بكاء شديداً ، ثم قال لها: هل بقيت تجدين مما كان في نفسك من حبك لي شيئاً؟ فقالت: والله لنظرة إلى وجهك أحب إليّ من الدنيا بحذافيرها ، لكن ناولني صدر سوطك ، فناولها فوضعته على صدرها ، فوجد للسوط في يده اضطرابا وارتعاشاً من خفقان قلبها ، فبكى ثم مضى إلى منزله فأرسل إليها رسولاً: إن كنتِ أَيِّماً تزوّجناك ، وإن كنتِ ذات بعل أغنيناك ، فقالت للرّسول: أعوذ بالله أن يستهزئ بي الملك! لم يُردْني أيام شبابي وغناي ومالي وعزّي أفيريدني اليوم وأنا عجوز عمياء فقيرة؟ا فأعلمه الرسول بمقالتها ، فلما ركب في الأسبوع الثاني تعرّضت له ، فقال لها: ألم يبلّغك الرسول؟ فقالت: قد أخبرتك أن نظرة واحدة إلى وجهك أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها ؛ فأمر بها فأصلح من شأنها وهُيئت ، ثم