فهرس الكتاب
ومن أمثلة العرب: (القتل أنفى للقتل)
جاء القرآن بقوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} وهو أحسن وأبدع، لأنه أخصر في الحروف، وأعدل في المخارج، وهو عري عن التكرار، وفيه ذكر القصاص المشعر بالتساوي والعدل، والدلالة على حصول الغرض، إذ ليس كل قتل ينفي القتل، بل ما كان قصاصًا.
أما العدوان، فإنه يوقع الهرج، ويكثر القتل، ثم نظم الشاعر هذه المعاني فقال:
بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما ... وبالقتل تنجو كل نفس من القتل
ثم قال الآخر:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
ومنها قول بعض العرب:
وحي ذوي الأضغان تسب عقولهم ... تحية ذي الحسنى وقد يرفع النغل
وإن دحسوا بالقول فاعف تكرمًا ... وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل
فجاء القرآن بقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت] وهو أخصر حروفًا وأحسن تركيبًا وطباقًا.
واعلم أن جعلنا القرآن في هذين المثالين ثانيًا لكلام العرب، إنما هو باعتبار النزول، وأما باعتبار الوجود فالقرآن قبل العرب فضلًا عن كلامهم.
ومنها قول النابغة:
إذا ما غزا بالجيش ... ... ...
البيتين المذكورين في باب الإفراط، أخذ الأفواه معناهما فقال:
وترى الطير على آثرنا ... رأي عين ثقة أن ستمار
وهو أخصر وأحسن، وبمثل هذا يصير الثاني أحق بالمعنى الأول.
ومنها قول بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
فقال سلم الخاسر:
من راقب الناس مات همًا ... وفاز باللذة الجسور
فلما سمع به بشار قال: (ذهب به ابن الفاعلة) .
ومنها قول أبي العتاهية:
كم نعمة لا تستقل بشكرها ... لله في طي المكاره كامنه
فأخذه أبو تمام فقال:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
فأتى بالمعنى وعكسه.
ومنها قوله أيضًا:
فإن لم يجد في قسمة العمر حيلة ... وجاز له الإعطاء من حسناته
لجاد بها من غير شرك بربه ... وأشركهم في صومه وصلاته.
فقال المتنبي:
فلو يممتهم في الحشر تجدو ... لأعطوك الذي صلوا وصاموا
وهو أبسط لفظًا وأوجز معنى.
ومنها قول بعضهم نثرًا: (أحق من أثبت لك العذر في حال شغلك من لم يخل ساعة من برك وقت فراغك) .
فأخذه آخر بعده فقال: (في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخر منه) . فزاد في المعنى وأوجز في اللفظ، ثم قال أبو نواس:
لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
وهو أبدع وأحسن.