فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 182

يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43)

(الاستدراج) وهو التوصل إلى بلوغ المراد من المخاطب بالتلطف من حيث لا يشعر.

فمنه قول إبراهيم عليه السلام لأبيه: {يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) } .

فطلب منه أولًا العلة، والدليل على استحقاق آلهته العبادة، وضمن ذلك الدليل على أنها لا تستحقها، وهو كونها لا تسمع ولا تبصر، ومن كان كذلك فهو جدير أن لا يغني عنك شيئًا، وأنت جدير أن لا تعبده، ثم ارتفع عن ذلك يسيرًا، فقال: {إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني} . ولم يصرح له بالتجهيل تأدبًا وتلطفًا، ثم ارتفع عن ذلك قليلًا، فقال: {لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًا} . فيريد أن يجعلك مثله وهو عدوك، ولكن لشدة إخلاص إبراهيم ومناصحته لربه، اقتصر على إخباره بمعصية الشيطان للرحمن، ولم يلتفت إلى عدوانه أبيه، ثم ارتفع قليلًا، فتوعده بالعذاب غير مصرح، بل قال: (إني أخاف أن يمسك عذاب الرحمن) . هذا مع تصديره كل جملة من الكلام بقوله: (يا أبت) تقربًا إلى قلبه، واستعطافًا له، فكان جوابه له أن {قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم * لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليًا} . فأنكر عليه رغبته عن آلهته إنكارًا عنيفًا لتقديمه الخبر على المبتدأ، وسماه باسمه، ولم يقل له: يا بني، كما قال له: يا أبت، وتوعده بالرجم توعدًا مؤكدًا لا تعريضًا، كما قال هو له: (إني أخاف أن يمسك) وأمره بهجرانه مليًا، إظهارًا لتبرئه منه، وجفوته له، وكراهة ما جاء به، وهذا ضد الاستدراج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت