فهرس الكتاب
(فصل في بيان الزندقة المطلقة)
اعلم أن شرح ما يكفر به وما لا يكفر به يستدعي تفصيلا يفتقر إلى ذكر كل المقالات والمذاهب، وذكر شبهة كل واحد، ودليله ووجه بعده عن الظاهر ووجه تأويله، وذلك لا يحويه مجلدات ولا تتسع لشرح ذلك أوقاتي فاقنع الآن بوصية وقانون.
أمّا الوصية: فأن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه غير مناقضين لها. والمناقضة تجويزهم الكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعذر أو غير عذر، فإن التفكير فيه خطر والسكوت لا خطر فيه.
وأمّا القانون: فهو أن تعلم أن النظريات قسمان: قسم يتعلق بأصول القواعد، وقسم يتعلق بالفروع، وأصول الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وما عداه فروع. واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلا إلّا في مسألة واحدة وهي أن ينكر أصلا دينيا علم من الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالتواتر، لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات وفي بعضها تبديع كالخطاء المتعلق بالإمامة وأحوال الصحابة.
واعلم أن الخطأ في أصل الإمامة وتعينها وشروطها وما يتعلّق بها لا يوجب شيء منه تكفيرا. فقد أنكر ابن كيسان أصل وجوب الإمامة ولا يلزم تكفيره ولا يلتفت إلى قوم يعظمون أمر الإمامة ويجعلون الإيمان بالإمام مقرونا بالإيمان بالله وبرسوله، ولا إلى خصومهم المكفرين لهم بمجرد مذهبهم في الإمامة فكل ذلك إسراف إذ ليس في واحد من القولين تكذيب للرسول صلى اللّه عليه وسلم أصلا، ومهما وجد التكذيب وجب التفكير وإن كان في الفروع. فلو قال قائل مثلا: البيت الذي بمكّة ليس الكعبة التي أمر اللّه تعالى بحجها فهذا كفر، إذ قد ثبت تواترا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خلافه، ولو أنكر شهادة الرسول لذلك البيت بأنه الكعبة لم ينفعه إنكاره، بل يعلم قطعا أنه معاند في إنكاره إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يتواتر عنده ذلك، وكذلك من نسب عائشة رضي اللّه عنها إلى الفاحشة، وقد نزل القرآن ببراءتها فهو كافر لأن هذا وأمثاله لا يمكن إلا بتكذيب الرسول أو إنكار التواتر، والتواتر ينكره الإنسان بلسانه ولا يمكنه أن يجهله بقلبه. نعم لو أنكر ما ثبت بأخبار الآحاد فلا يلزمه به الكفر ولو أنكر ما ثبت بالإجماع، فهذا فيه نظر لأن معرفة كون الإجماع حجّة قاطعة فيه غموض يعرفه المحصّلون لعلم أصول الفقه. وأنكر النظام كون الإجماع حجّة أصلا فصار كون الإجماع حجّة مختلف فيه فهذا حكم الفروع.
وأما الأصول الثلاثة: وكل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله، ولم يتصور أن يقوم برهان على خلافه فمخالفته تكذيب محض. ومثاله ما ذكرناه من حشر الأجساد والجنّة والنار وإحاطة علم اللّه تعالى بتفاصيل الأمور وما يتطرق إليه احتمال التأويل ولو بالمجاز البعيد، فينظر فيه إلى البرهان فإن كان قاطعا وجب القول به، ولكن إن كان في إظهاره مع العوام ضرر لقصور فهمهم فإظهاره بدعة وإن لم يكن البرهان قطعيا لكن يفيد ظنا غالبا، وكان مع ذلك لا يعلم ضرره في الدين كنفي المعتزلي الرؤية عن اللّه تعالى. فهذه بدعة وليس بكفر.
وأما ما يظهر له ضرر فيقع في محلّ الاجتهاد والنظر فيحتمل أن يكفر ويحتمل أن لا يكفر. ومن جنس ذلك ما يدعيه بعض من يدعي التصوف أنه قد بلغ حالة بينه وبين اللّه تعالى أسقطت عنه الصلاة وحلّ له شرب الخمرة والمعاصي وأكل مال السلطان. فهذا ممن لا شكّ في وجوب قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر، وقتل مثل هذا أفضل من قتل مائة كافر إذ ضرره في الدين أعظم وينفتح به باب من الإباحة لا ينسد وضرر هذا فوق ضرر من يقول بالإباحة مطلقا فإنه يمنع عن الإصغاء إليه لظهور كفره.