فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 153

وأما هذا فإنه يهدم الشرع من الشرع، ويزعم أنه لم يرتكب فيه إلا تخصيص عموم إذ خصص عموم التكليفات بمن ليس له مثل درجته في الدين، وربما يزعم أنه يلابس ويقارف المعاصي بظاهره وهو بباطنه بريء عنه. ويتداعى هذا إلى أن يدعي كل فاسق مثل حالة وينحلّ به عصام الدين.

ولا ينبغي أن يظن أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعا في كل مقام، بل التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدم والحكم بالخلود في النار. فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية، فتارة يدرك بيقين وتارة بظن غالب، وتارة يتردد فيه، ومهما حصل تردد فالوقف فيه عن التكفير أولى، والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل، ولا بدّ من التنبيه على قاعدة أخرى وهو أن المخالف قد يخالف نصا متواترا ويزعم أنه مؤول، ولكن ذكر تأويله لا انقداح له أصلا في اللسان لا على بعد ولا على قرب، فذلك كفر. وصاحبه مكذب وإن كان يزعم أنه مؤول. مثاله:

ما رأيته في كلام بعض الباطنية أن اللّه تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها. وعالم بمعنى أنه يعطي العلم لغيره ويخلقه، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره، وإما أن يكون واحدا في نفسه وموجودا وعالما على معنى اتّصافه فلا. وهذا كفر صراح لأن حمل الوحدة على اتّحاد الوحدة ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلا، ولو كان خالق الوحدة يسمى واحدا لخلقه الوحدة لسمي ثلاثا وأربعا لأنه خلق الأعداد أيضا. فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عبّر عنها بالتأويلات.

(فصل النظر في التكفير)

قد فهمت من هذه التكفيرات أن النظر في التكفير يتعلق بأمور:

أحدها: أن النصّ الشرعي الذي عدل به عن ظاهره هل يحتمل التأويل أم لا؟ فإن احتمل فهل هو قريب أم بعيد؟ ومعرفة ما يقبل التأويل، وما لا يقبل التأويل ليس بإلهين بل لا يستقلّ به إلا الماهر الحاذق في علم اللغة العارف بأصولها، ثم بعادة العرب في الاستعمال في استعاراتها وتجوزاتها ومنهاجها في ضروب الأمثال.

الثاني: في النصّ المتروك أنه ثبت تواترا أو آحادا أو بالإجماع المجرد، فإن ثبت تواترا فهو على شرط التواتر أم لا؟ إذ ربما يظن المستفيض تواترا، وحدّ التواتر ما لا يمكن الشكّ فيه كالعلم بوجود الأنبياء ووجود البلاد المشهورة وغيرها، وأنه متواتر في الأعصار كلها عصرا بعد عصر إلى زمان النبوّة، فهل يتصور أن يكون قد نقص عدد التواتر في عصر من الأعصار؟ وشرط التواتر أن لا يحتمل ذلك كما في القرآن، أمّا في غير القرآن فيغمض مدرك ذلك جدا ولا يستقل بإدراكه إلا الباحثون عن كتب التواريخ وأحوال القرون الماضية وكتب الأحاديث وأحوال الرجال وأغراضهم في نقل المقالات.

إذ قد يوجد عدد التواتر في كل عصر ولا يحصل به العلم إذ كان يتصور أن يكون للجمع الكثير رابطة في التوافق لا سيّما بعد وقوع التعصب بين أرباب المذاهب، ولذلك ترى الروافض يدّعون النصّ على علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، في الإمامة لتواتره عندهم، وتواتر عند خصومهم في أشياء كثيرة خلاف ما تواتر عندهم لشدة توافق الروافض على إقامة أكاذيبهم واتّباعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت