فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 153

وأمّا ما يستند إلى الإجماع فدرك ذلك من أغمض الأشياء إذ شرطه أن يجتمع أهل الحلّ والعقد في صعيد واحد، فيتّفقوا على أمر واحد اتّفاقا بلفظ صريح، ثم يستمروا عليه مرة عند قوم وإلى تمام انقراض العصر عند قوم، أو يكاتبهم إمام في أقطار الأرض فيأخذ فتاويهم في زمام واحد بحيث تتفق أقوالهم اتّفاقا صريحا حتى يمتنع الرجوع عنه والخلاف بعده، ثم النظر في أن من خالف بعده هل يكفر؟ لأنه من الناس من قال إذا جاز في ذلك الوقت أن يختلفوا فيحمل توافقهم على اتّفاق ولا يمتنع على واحد منهم أن يرجع بعد ذلك، وهذا غامض أيضا.

الثالث: النظر في أن صاحب المقال هل تواتر عنده الخبر، أو هل بلغه الإجماع؟ إذ كل من يولد لا تكون الأمور عنده متواترة، ولا موضع الإجماع عنده متميز عن مواضع الخلاف، وإنما يدرك ذلك شيئا فشيئا، وإنما يعرف ذلك من مطالعة الكتب المصنّفة في الاختلاف والإجماع للسلف، ثم لا يحصل العلم في ذلك بمطالعة تصنيف ولا تصنيفين إذ لا يحصل تواتر الإجماع به، وقد صنّف أبو بكر الفارسي رحمه اللّه كتابا في مسائل الإجماع وأنكر عليه كثير منه وخولف في بعض المسائل، فإذا من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل مخطئ وليس بمكذّب فلا يمكن تكفيره. والاستقلال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير.

الرابع: النظر في دليله الباعث له على مخالفة الظاهر أهو على شرائط البرهان أم لا؟

ومعرفة شرط البرهان لا يمكن شرحها إلا في مجلدات، وما ذكرنا في كتاب (القسطاس المستقيم) ، وكتاب (محكّ النظر) أنموذج منه وتكل قريحة أكثر فقهاء الزمان عن قصّ شروط البرهان على الاستيفاء، ولا بدّ من معرفة ذلك فإن البرهان إذا كان قاطعا رخص في التأويل وإن كان بعيدا. فإذا لم يكن قاطعا لم يرخص إلا في تأويل قريب سابق إلى الفهم.

الخامس: النظر في أن ذكر تلك المقالة هل يعظم ضررها في الدين أم لا؟ فإن ما لا يعظم ضرره في الدين فالأمر فيه أسهل وإن كان القول شنيعا وظاهر البطلان كقول الإمامية المنتظرة أن الإمام مختف في سرداب فإنه ينتظر خروجه، فإنه قول كاذب ظاهر البطلان شنيع جدا، ولكن لا ضرر فيه على الدين إنما الضرر على الأحمق المعتقد لذلك إذ يخرج كل يوم من بلده لاستقبال الإمام حتى يدخل فيرجع إلى بيته خاسئا، وهذا مثال. والمقصود أنه لا ينبغي أن يكفر بكل هذيان وإن كان ظاهر البطلان. فإذا فهمت أن النظر في التكفير موقوف على جميع هذه المقامات التي لا يستقلّ بآحادها المبرزون علمت أن المبادر إلى تكفير من يخالف الأشعري أو غيره جاهل مجازف، وكيف يستقلّ الفقيه بمجرد الفقه بهذا الخطب العظيم وفي أي ربع من أرباع الفقه يصادف هذه العلوم، فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل فأعرض عنه ولا تشغل به قلبك ولسانك، فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع لا يصبر عنه الجهال ولأجله كثر الخلاف بين الناس ولو ينكث من الأيدي من لا يدري لقلّ الخلاف بين الخلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت