فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 97

{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ(48)}

(الكلام في الشفاعة)

قال أبو محمد: اختلف الناس في الشفاعة فأنكرها قوم، وهم المعتزلة، والخوارج، وكل من منع أن يخرج أحد من النار بعد دخوله فيها، وذهب أهل السنة، والأشعرية، والكرامية، وبعض الرافضة إلى القول بالشفاعة، واحتج المانعون منها بقول الله عزّ وجلّ: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} (المدثر: 48) .

وبقوله عزّ وجلّ: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} (الانفطار: 19) .

وبقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا} (الجن: 21) .

وبقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} (البقرة: 48) .

وبقوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} (البقرة: 254) .

وبقوله تعالى: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} (الشعراء: 100، 101) .

وبقوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} (البقرة: 123) .

قال أبو محمد: من يؤمن بالشفاعة أنه لا يجوز الاقتصار على بعض القرآن دون بعض، ولا على بعض السنن دون بعض، ولا على القرآن دون بيان رسول الله، الذي قال له ربه عزّ وجلّ: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44) .

وقد نص الله تعالى على صحة الشفاعة في القرآن.

فقال تعالى: {لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} (مريم: 87) .

فأوجب عزّ وجلّ الشفاعة إلا من اتخذ عنده عهدًا بالشفاعة ونفاها عن سواه فقد اتخذ محمد عند الله عهدًا بالشفاعة وصحت بذلك الأخبار المتواترة المتناصرة، بنقل الكواف لها.

وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} (طه: 109) .

وقال تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} (سبأ: 23) .

فنص تعالى على أن الشفاعة يوم القيامة تنفع عنده عزّ وجلّ، ممن أذن له فيها، ورضي قوله، ولا أحد من الناس أولى بذلك من محمد، لأنه أفضل ولد آدم عليه السلام.

وقال تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} (البقرة: 255) .

{وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى} (النجم: 26) .

وقال تعالى: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزخرف: 86) .

وقال تعالى: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} (يونس: 3) .

فقد صحت الشفاعة بنص القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فصح يقينًا أن الشفاعة التي أبطلها الله عزّ وجلّ، هي غير الشفاعة التي أثبتها عزّ وجلّ، وإذ لا شك في ذلك فالشفاعة التي أبطل عزّ وجلّ هي الشفاعة للكفار، الذين هم مخلدون في النار.

قال تعالى: {لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} (فاطر: 36) . نعوذ بالله منها، فإذ لا شك فيه، فقد صح يقينًا أن الشفاعة التي أوجب الله عزّ وجلّ لمن أذن له، واتخذ عنده عهدًا، ورضي قوله، فإنما هي لمذنبي أهل الإِسلام وهكذا جاء الخبر الثابت.

قال أبو محمد: وهما شفاعتان إحداهما: عامة لكل محسن ومسيء في تعجيل الحساب يوم القيامة، وإراحة الناس مما هم فيه من هول الموقف وشنعة الحال وهو المقام المحمود، الذي جاء النص في القرآن به، في قوله: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} (الإسراء: 79) .

والشفاعة الثانية: في إخراج أهل الكبائر من النار، طبقة طبقة، على ما صح في ذلك الخبر.

وأما قول الله تعالى: {قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا} (الجن: 21) {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا} (الانفطار: 19) .

فما خالفناهم في هذا أصلًا، وليس هذا من الشفاعة في شيء، فنعم لا يملك أحدٌ لأحد نفعًا، ولا ضرًا، ولا رشدًا، ولا هدى، وإنما الشفاعة رغبة إلى الله تعالى، وضراعة، ودعاء.

وقال بعض منكري الشفاعة: إن الشفاعة ليست إلا في المحسنين فقط.

واحتجوا بقوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} (الأنبياء: 28) .

قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لأن من أذن الله في إخراجه من النار وإدخاله الجنة، وأذن للشافع في الشفاعة له في ذلك، فقد ارتضاه، وهذا حق وفضل الله تعالى على من قد غفر له ذنوبه، بأن رجحت حسناته على كبائره، أو بأن لم تكن له كبيرة، أو بأن تاب عنها فهو مغنٍ له عن شفاعة كل شافع، فقد حصلت له الرحمة والفوز من الله تعالى وأمر به إلى الجنة ففي ماذا يشفع له؟

وإنما الفقير إلى الشفاعة من غلبت كبائره على حسناته، فأدخل النار، ولم يأذن تعالى بإخراجه منها إلا بالشفاعة، وكذلك الخلق في كونهم في الموقف هم أيضًا في مقام شنيع فهم أيضًا محتاجون إلى الشفاعة وبالله تعالى التوفيق، وبما صحت به الأخبار من ذلك. نقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت