فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 97

{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) }

وأما قوله عليه السلام إذ رأى الكوكب والشمس والقمر: هذا ربي. فقال قوم إن إبراهيم عليه السلام قال ذلك محققًا أول خروجه من الغار وهذا خرافة موضوعة مكذوبة ظاهرة الافتعال، ومن المحال الممتنع أن يبلغ أحد حد التمييز والكلام بمثل هذا، وهو لم ير قط شمسًا ولا قمرًا ولا كوكبًا، وقد أكذب الله عزّ وجلّ هذا الظن الكاذب بقوله الصادق {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} (الأنبياء: 51) .

فمحال أن يكون من آتاه الله رشده من قبل يدخل في عقله أن الكوكب ربه، أو أن الشمس ربه، من أجل أنها أكبر قرصًا من القمر، هذا ما لا يظنه إلا مخبول العقل. والصحيح من ذلك أنه عليه السلام إنما قال ذلك موبخًا لقومه كما قال لهم نحو ذلك في الكبير من الأصنام ولا فرق، لأنهم كانوا على دين الصابئين، يعبدون الكواكب، ويصورون الأصنام على صورها، وأسمائها، في هياكلهم، ويعدون لها الأعياد، ويذبحون لها الذبائح، ويقربون لها القرب والقرابين والدخن، ويقولون: إنها تعقل وتدبر، وتضر وتنفع، ويقيمون لكل كوكب منها شريعة محدودة، فوبخهم الخليل عليه السلام على ذلك، وسخر منهم وجعل يريهم تعظيم الشمس لكبر جرمها، كما قال تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} (المطففين: 34) فأراهم ضعف عقولهم في تعظيمهم لهذه الأجرام المسخرة الجمادية وبين لهم أنهم مخطئون، وأنها مدبرة تنتقل في الأماكن، ومعاذ الله أن يكون الخليل عليه السلام أشرك قط بربه، أو شك في أن الفلك بكل ما فيه مخلوق، وبرهان قولنا هذا أن الله تعالى لم يعاتبه على شيء مما ذكر ولا عنفه على ذلك، بل صدقه تعالى بقوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} (الأنعام: 83) .

فصح أن هذا بخلاف ما وقع لآدم وغيره بل وافق مراد الله عزّ وجلّ بما قال من ذلك وبما فعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت