{قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) }
قال أبو محمد: وذكروا قول الله تعالى في لوط عليه السلام أنه قال: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} (هود: 80) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَيَرْحَمُ الله لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأوِي إلى رُكْنٍ شَديدٍ.
فظنوا أن هذا القول منه عليه السلام إنكار على لوط عليه السلام.
وذكروا قول لوط أيضًا: {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} (هود: 78) .
قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، أما قوله عليه السلام: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}
فليس مخالفًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُ الله لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ. بل كلا القولين منهما عليهما السلام حق متفق عليه لأن لوطًا عليه السلام إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش من قرابة، أو عشيرة، أو أتباع مؤمنين.
وما جهل قط لوط عليه السلام أنه يأوي من ربه تعالى إلى أمنع قوة، وأشد ركن،
فلا جناح على لوط عليه السلام في طلب قوة من الناس، فقد قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} (البقرة: 251) فهذا هو الذي طلب لوط عليه السلام.
وقد طلب رسول الله من الأنصار والمهاجرين منعة حتى يبلغ كلام ربه تعالى، فكيف ينكر على لوط أمرًا هو فعله عليه السلام؟ تالله ما أنكر ذلك رسول الله.
وإنما أخبر عليه السلام أن لوطًا كان يأوي إلى ركن شديد، يعني من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط عليه السلام علم بذلك.
ومن ظن أن لوطًا عليه السلام اعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر؛ إذ نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر، وهذا أيضًا ظن سخيف، إذ من الممتنع أن يظن برب أراه المعجزات وهو دائبًا يدعو إليه هذا الظن.
وأما قوله عليه السلام: {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ} .
فإنما أراد التزويج والوطء في المكان المباح، فصح ما قلنا إذ من المحال أن يدعوهم إلى منكر وهو ينهاهم عن المنكر.