وأما قوله: {هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} فليس كما ظن من لم ينعم النظر حتى قال من المتأخرين من قال: إنه قعد منها مقعد الرجل من المرأة، ومعاذ الله من هذا أن يظن برجل من صالحي المسلمين أو مستوريهم، فكيف برسول الله ... ؟؟؟
فإن قيل: إن هذا قد روي عن ابن عباس رضي الله عنه من طريق جيدة الإسناد، قلنا: نعم، ولا حجة في قول أحد إِلا فيما صح عن رسول الله فقط، والوهم في تلك الرواية إنما هي بلا شكّ عمن دون ابن عباس، أو لعل ابن عباس لم يقطع بذلك إذ إنما أخذه عمن
لا يدري من هو؛ ولا شك في أنه شيء سمعه فذكره لأنه رضي الله عنه لم يحضر ذلك ولا ذكره عن رسول الله ومحال أن يقطع ابن عباس بما لا علم له به، لكن معنى الآية لا يعدو أحد وجهين: إما أنه هَمّ بالإيقاع بها وضربها، كما قال تعالى: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} (غافر: 5) . وكما يقول القائل: لقد همت بك.
لكنه عليه السلام امتنع من ذلك ببرهان أراه الله إياه استغنى به عن ضربها، وعلم أن الفرار أجدى عليه، وأظهر لبراءته، على ما ظهر بعد ذلك من حكم الشاهد بأمر قدّ القميص. والوجه الثاني: أن الكلام تم عند قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ}
ثم ابتدأ تعالى خبرًا آخر فقال: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}
أي أنه كاد يهم بها لولا أن رأى برهان ربه وهذا هو ظاهر الآية بلا تكلف تأويل، وبهذا نقول.
حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي، حدثنا ابن عون الله، أنبأنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، حدثنا أحمد بن محمد بن سالم النيسابوري، أنا إسحاق بن راهويه، أنا المؤمل بن إسماعيل الحميري، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله قرأ هذه الآية: {ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} (يوسف: 52) . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما قالها يوسف عليه السلام قال له جبريل: يا يوسف اذكر هَمَّكَ، فقال يوسف: {وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} (يوسف: 53) .
فليس في هذا الحديث على معنى من المعاني تحقيق الهمّ بالفاحشة، ولكنه فيه أنه همّ بأمر ما، وهذا حق كما قلنا فسقط هذا الاعتراض، وصح الوجه الأول، والثاني معًا، إِلاَّ أن الهمّ بالفاحشة باطل مقطوع على كل حال، وصح أن ذلك الهمّ هو ضرب سيدته، وهي خيانة لسيده إذ همّ بضرب امرأته.
وبرهان ربه هاهنا هو النبوة، فلولا النبوة وعصمة الله عزّ وجلّ إياه، ولولا البرهان لكان يهم بالفاحشة، وهذا لا شك فيه، ولعل من ينسب هذا إلى النبي المقدس يوسف ينزه نفسه الرذلة عن مثل ذلك المقام فيهلك، وقد خشي النبي الهلاك على من ظن به ذلك الظن، إذ قال للأنصاريين حين لقيهما: هذه صَفِيَّةُ.
قال أبو محمد: ومن الباطل الممتنع أن يظن ظان أن يوسف عليه السلام هَمَّ بالزنى، وهو يسمع قول الله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ} (يوسف: 24) .
فنسأل من خالفنا عن الهمّ بالزنى بسوء هو أم غير سوء .. ؟ فلا بد أنه سوء، ولو قال إنه ليس بسوء لعاند الإجماع فإذًا هو سوء، وقد صرف عنه السوء فقد صرف عنه الهمّ بيقين، وأيضًا فإنها قالت: {مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} (يوسف: 25) وأنكر هو ذلك فشهد الصادق المصدق: إن كان قميصه قدَّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين فصح أنها كذبت وإذ كذبت بنص القرآن فما أراد بها قط سوءًا فما همّ بالزنى قط، ولو أراد بها الزنى لكانت من الصادقين، وهذا بيِّن جدًا.
وكذلك قوله تعالى عنه إنه قال: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} (يوسف 33) {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} (يوسف: 34) فصح عنه أنه قَطّ لم يصبُ إليها.
وبالله تعالى التوفيق.