فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 97

{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(161)}

قال أبو محمد: هذا كل ما موهوا به قد تقصيناه وبيناه وأرينا أنه موافق لقولنا ولا يشهد شيء منه لقول مخالفنا، وبالله التوفيق. ونحن الآن نأخذ بحول الله وبقوته في الإِتيان بالبراهين الضرورية الواضحة على صحة قولنا وبطلان قول مخالفنا.

قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران:161) . وقال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ} (آل عمران: 79) .

فوجدنا الله تعالى وهو أصدق القائلين قد نفى عن الأنبياء عليهم السلام الغلول والكفر والتجبر، ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن حكم الغلول كحكم سائر الذنوب، وقد صح الإِجماع بذلك، وأن من جوز على الأنبياء عليهم السلام شيئًا من تعمد الذنوب جوز عليهم الغلول، ومن نفى الغلول نفى عنهم سائر الذنوب، وقد صح نفي الغلول عنهم بكلام الله تعالى فوجب انتفاء تعمد الذنوب عنهم بصحة الإجماع على أنها سواء والغلول. وقال عزّ وجلّ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} (الجاثية: 21) .

وهذا كفر مجرد وما قدرنا أن أحدًا ممن ينتمي إلى الإِسلام ولا إلى أهل الكتاب ينطق لسانه بهذا حتى رأينا للمعروف بابن الباقلاني فيما ذكر عنه صاحبه أبو جعفر السمناني قاضي الموصل أنه قد يكون في الناس بعد النبي من هو أفضل من النبي من حين يبعث إلى حين يموت، فاستعظمنا ذلك، وهذا شرك مجرد، وقدح في النبوة لا خفاء به، وقد كنا نسمع عن قوم من الصوفية أنهم يقولون: إن الولي أفضل من النبي، وكنا لا نحقق هذا على أحد يدين بدين الإِسلام إلى أن وجدنا هذا الكلام كما أوردنا فنعوذ بالله من الارتداد بعد الإِيمان.

قال أبو محمد: ولو أن هذا الضال المضل يدري ما معنى لفظة أفضل، ويدري فضيلة النبوة، لما انطلق لسانه بهذا الكفر وهذا تكذيب للنبي إذ يقول: إني لأتقاكم وإني لست كهيئتكم وإني لست مثلكم.

فإذًا قد صح بالنص أن في الناس من لم يجترح سيئة، وأن من اجترح السيئات لا يساويهم عند الله عزّ وجلّ، فالأنبياء عليهم السلام أحق بهذه الدرجة وبكل فضيلة بلا خلاف من أحد من أهل الإِسلام.

يقول الله عزّ وجلّ: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} (الحج: 75) فأخبر تعالى أن الرسل صفوته من خلقه.

وقد اعترض علينا بعض المخالفين بأن قال: فما تقول فيمن بلغ فآمن، وذكر الله مرات ومات إثر ذلك، أو في كافر أسلم وقتل مجاهدًا فقتل .. ؟ فجوابنا وبالله تعالى التوفيق أن نقول: أما من كان كافرًا ثم أسلم فقد اجترح من السيئات بكفره ما هو أعظم من السموات والأرض، وإن كان قد غفر له بإيمانه ولكن قد حصل بلا شك من جملة من قد اجترح السيئات، وأما من بلغ فآمن، وذكر الله تعالى ثم مات، فقد كان هذا ممكنًا في طبيعة العالم وفي بنيته لولا قول الله عزّ وجلّ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} .

فإن الله تعالى قطع قطعًا لا يرده إلا كافر بأنه لا يجعل من اجترح السيئات كمن لم يجترحها ونحن نوقن أن الصحابة رضي الله عنهم وهم أفضل الناس بعد الأنبياء عليهم السلام، ليس منهم أحد إلا وقد اجترح سيئة فكان يلزم على هذا أن يكون من أسلم إثر بلوغه ومات أفضل من الصحابة رضي الله عنهم وهذا خلاف قول النبي أنه لو كان لأحدنا مثل أحد ذهبًا فأنفقه لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه.

فإذ هذا كما قلنا فقول الله عزّ وجلّ وقول رسوله أحق بالتصديق لا سيما مع قوله عليه السلام: ما من أحد إلا ألمّ بذنب أو كاد إلا يحيى بن زكريا فنحن نقطع قطعًا بما ذكرنا أنه لا سبيل إلى أن يبلغ أحد حد التكليف إلا ولا بد له من أن يجترح سيئات الله أعلم بها، وبالله التوفيق.

قال أبو محمد: ومن البرهان على أنه لا يمكن البتة أن يعصي نبي بعمد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين لما قال له الأنصاري هلا أومأتَ إليّ في قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح فنفى عليه السلام عن جميع الأنبياء عليهم السلام أن تكون لهم خائنة الأعين، وهو أخف ما يكون من الذنوب، ومن خلاف الباطن للظاهر؛ فدخل في هذا جميع المعاصي صغيرها وكبيرها سرها وجهرها.

قال أبو محمد: وأيضًا فإننا مندوبون إلى الاقتداء بالأنبياء عليهم السلام وإلى الائتساء بهم في أفعالهم كلها قال الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} (الأحزاب: 21) .

وقال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام: 90) .

فصح يقينًا أنه لو جاز أن يقع من أحد من الأنبياء عليهم السلام ذنب بعمد صغير أو كبير، لكان الله عزّ وجلّ قد حضنا على المعاصي وندبنا إلى الذنوب، وهذا كفر مجرد ممن أجازه؛ وقد صح يقينًا أن جميع أفعال الأنبياء التي يقصدونها خير وحق.

قال أبو محمد: وأيضًا فقد صح عن النبي عظيم إنكاره على ذي الخويصرة لعنه الله ولعن أمثاله، إذ قال الكافر: اعدل يا محمد، إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك من يعدل إذا أنا لم أعدل أيأمنني الله ولا تأمنونني .. ؟

وقوله عليه السلام لأم سلمة أم المؤمنين إذ سألته عن الذي قبل امرأته في رمضان: ألا أخبرتها أني فعلت ذلك .. ؟ وغضب عليه السلام إذ قال له: لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.

فأنكر عليه السلام إذ جعل له ذنبًا بعمد وإن صغر. وقال له عليه السلام: إني والله لأعلمكم بالله وأتقاكم أو كلامًا هذا معناه.

فإن قال قائل: فهلا نفيتم عنهم عليهم السلام السهو بدليل الندب إلى الائتساء بهم عليهم السلام. قلنا وبالله تعالى التوفيق:

إنكار ما ثبت كإجازة ما لم يثبت، سواء بسواء ولا فرق، والسهو منهم قد ثبت بيقين. وأيضًا فإن ندب الله تعالى لنا إلى الائتساء بهم عليهم السلام لا يمنع من وقوع السهو منهم، لأن الائتساء بالسهو لا يمكن إلا بسهو منا، ومن المحال أن نندب إلى السهو أو نكلف السهو، لأننا لو قصدنا إليه لم يكن حينئذ سهوًا، ولا يجوز أيضًا أن ننهى عن السهو لأن الانتهاء عن السهو ليس في بنيتنا ولا في وسعنا، وقد قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة: 286) .

ونقول أيضًا: إننا مأمورون إذا سهونا أن نفعل كما فعل رسول الله إذْ سها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت