فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 97

{وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(150)}

وذكروا قول الله تعالى عن موسى عليه السلام: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} (الأعراف: 150) {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي} (طه: 94) .

قالوا: وهذه معصية أن يأخذ بلحية أخيه وشعره، وهو نبي مثله، وأسنّ منه ولا ذنب له.

قال أبو محمد: وهذا ليس كما ظنوا وهو خارج على وجهين:

أحدهما: أنه أخذ برأس أخيه ليقبل بوجهه عليه ويسمع عتابه له إذ تأخر عن اتباعه إذ رآهم ضلوا، ولم يأخذ بشعر أخيه قط إذ ليس ذلك في الآية أصلًا، ومن زاد ذلك فيها فقد كذب على الله تعالى، لكن هارون عليه السلام خشي بادرة من موسى عليه السلام وسطوة، أو رآه قد اشتد غضبه فأراد توقيفه بهذا الكلام عما تخوفه منه.

وليس في هذه الآية ما يوجب غير ما قلناه، ولا أنه مد يده إلى أخيه أصلًا، وبالله تعالى التوفيق.

والثاني: أن هارون عليه السلام قد يكون قد استحق في نظر موسى عليه السلام النكير لتأخره عن لحاقه إذ رآهم ضلوا، فأخذه برأسه منكرًا عليه، ولو كان هذا لكان إنما فعله موسى عليه السلام غضبًا لربه عزّ وجلّ، وقاصدًا بذلك رضاء الله تعالى، ولسنا نبعد ذلك من الأنبياء عليهم السلام، وإنما نبعد القصد إلى المعصية وهم يعلمون أنها معصية، وهذا هو معنى ما ذكره الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام إذ قال: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} (الشعراء: 82) وقول الله تعالى لمحمد: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح: 2) . إنما الخطيئة المذكورة والذنوب المغفورة ما وقع بنسيان أو بقصد إلى الله تعالى إرادة الخير فلم يوافق رضى الله عز وجل بذلك فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت