ومعنى قوله تعالى: {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} (البقرة: 35) أي ظالمين لأنفسكما، والظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه فمن وضع الأمر، أو النهي، في موضع الندب، أو الكراهة، فقد وضع الشيء في غير موضعه، وهذا الظلم من هذا النوع من الظلم الذي يقع بغير قصد، وليس معصية، لا الظلم الذي هو القصد إلى المعصية، وهو يدري أنها معصية، وبرهان هذا ما قد نصَّه الله تعالى من أن آدم عليه السلام لم يأكل من الشجرة إلا بعد أن أقسم له إبليس أن نهي الله عزّ وجلّ لهما عن أكل الشجرة ليس على التحريم، وأنهما لا يستحقان بذلك عقوبة أصلًا، بل يستحقان بذلك الجزاء الحسن، وفوز الأبد، قال تعالى حاكيًا عن إبليس أنه قال لهما: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) } وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ (الأعراف: 20 ـ 22) .
وقال عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} (طه: 115) .
قال أبو محمد: فلما نسي آدم عليه السلام عهد الله إليه في أن إبليس عدو له أحسن الظن بيمينه.
قال أبو محمد: ولا سلامة ولا براءة من القصد إلى المعصية ولا أبعد من الجراءة على الذنوب أعظم من حال من ظن أن أحدًا لا يحلف حانثًا، وهكذا فعل آدم عليه السلام فإنه إنما أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ناسيًا، بنص القرآن، ومتأولًا وقاصدًا إلى الخير، لأنه قدَّر أنه يزداد حظوة عند الله تعالى فيكون ملكًا مقربًا، أو خالدًا فيما هو فيه أبدًا، فأداه ذلك إلى خلاف ما أمره الله عزّ وجلّ به، وكان الواجب أن يحمل أمر ربَّه عزّ وجلّ على ظاهره لكن تأول وأراد الخير فلم يصبه، ولو فعل هذا عالم من علماء المسلمين لكان مأجورًا، ولكن آدم عليه السلام لما فعله وأوخِذ به بإخراجه عن الجنة إلى نكد الدنيا، كان بذلك ظالمًا لنفسه.
وقد سمى الله قاتل الخطأ قاتلًا، كما سمى العامد، والمخطئ لم يتعمد معصية، وجعل في الخطأ في ذلك كفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، لمن عجز عن الرقبة، وهو لم يتعمد ذنبًا.