قال أبو محمد: واحتجوا بفعل إخوة يوسف وبيعهم أخاهم، وكذبهم لأبيهم، وهذا لا حجة لهم فيه، لأن إخوة يوسف عليه السلام لم يكونوا أنبياء، ولا جاء قط في أنهم أنبياء نص لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا من إجماع ولا من قول أحد من الصحابة، رضي الله عنهم.
وأما يوسف عليه السلام فرسول الله بنص القرآن؛ قال عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ}
إلى قوله: {مِن بَعْدِهِ رَسُولًا} (غافر: 34) .
وأما إخوته فأفعالهم تشهد أنهم لم يكونوا متورعين عن العظائم، فكيف أن يكونوا أنبياء؟ ولكن الرسولين أباهم، وأخاهم، قد استغفرا لهم وأسقطا التثريب عنهم، وبرهان ما ذكرنا من كذب من يزعم أنهم كانوا أنبياء، قول الله تعالى حاكيًا عن الرسول أخيهم عليه السلام أنه قال لهم: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا} (يوسف: 77) .
ولا يجوز ألبتة أن يقوله لنبي من الأنبياء، نعم، ولا لقوم صالحين، إذ توقير الأنبياء فرض على جميع الناس، ولأن الصالحين ليسوا شرًا مكانًا، وقد عَقَّ ابن نوح أباه بأكثر مما عق به إخوة يوسف أباهم، إِلا أن إخوة يوسف لم يكفروا، ولا يحل لمسلم أن يدخل في الأنبياء من لم يأت نص، ولا إجماع، أو نقل كافة بصحة نبوته، ولا فرق بين التصديق بنبوة من ليس نبيًا، وبين التكذيب بنبوة من صحت نبوته منهم. فإن ذكروا في ذلك ما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وهو زيد بن أرقم: إنما مات إبراهيم ابن رسول الله لأنه لا نبي بعد رسول الله محمد، وأولاد الأنبياء أنبياء فهذه غفلة شديدة، وزلة عالم من وجوه.
أولها: أنه دعوى لا دليل على صحتها، وثانيها: أنه لو كان ما ذكر لأمكن أن ينبأ إبراهيم في المهد، كما نبئ عيسى عليه السلام، وكما أوتي يحيى الحكم صبيًا، فعلى هذا القول لعل إبراهيم كان نبيًا وقد عاش عامين غير شهرين وحاشا من هذا.
وثالثها: أن ولد نوح عليه السلام كان كافرًا بنص القرآن، عمل عملًا غير صالح؛ فلو كان أولاد الأنبياء أنبياء لكان هذا الكافر المسخوط عليه نبيًا وحاشا من هذا.
ورابعها: أنه لو كان ذلك لوجب ولا بد أن يكون اليهود كلهم أنبياء إلى اليوم بل جميع أهل الأرض أنبياء لأن الكل من ولد آدم، وآدم نبي، فإذا وجب أن يكون أولاد آدم لصلبه أنبياء لأن أباهم نبي فأولاد أولاده أنبياء أيضًا، لأن آباءهم أنبياء، وهم أولاد أنبياء، وهكذا أبدًا حتى يبلغ الأمر إلينا.
وفي هذا من الكفر لمن قامت عليه الحجة وثبت عليه ما لا خفاء به، وبالله تعالى التوفيق.
قال أبو محمد: ولعل من جهل مرتين يقول عنا: هذا ينكر نبوة إخوة يوسف، ويثبت نبوة بني المجوس، ونبوة أم موسى، وأم عيسى وأم إسحق، عليهم السلام، فنحن نقول وبالله تعالى التوفيق وبه نعتصم: لسنا نقر بنبوة من لم يخبر الله عزّ وجلّ بنبوته، ولم ينص رسول الله على نبوته، ولا نقلت الكواف عن أمثالها نقلًا متصلًا منه إلينا معجزات النبوة عنه ممن كان قبل مبعث النبي، بل ندفع نبوة من قام البرهان على بطلان نبوته، لأن تصديق نبوة من هذه صفته افتراء على الله تعالى، لا يقدم عليه مسلم، ولا ندفع نبوة من جاء القرآن بأن الله تعالى نبأه.