فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 97

{فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ(70)}

وذكروا أيضًا أخذ يوسف عليه السلام أخاه وإيحاشه أباه عليه السلام منه وأنه أقام مدة يقدر فيها على أن يعرِّف أباه خبره، وهو يعلم ما يقاسي به من الوجد عليه، فلم يفعل وليس بينه وبينه إِلا عشر ليال، وبإدخاله صواع الملك في وعاء أخيه، ولم يعلم بذلك سائر إخوته، ثم أمر من هتف {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} (يوسف: 70) وهم لم يسرقوا شيئًا.

وبقول الله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} (يوسف: 24) وبخدمته لفرعون، وبقوله للذي كان معه في السجن: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} (يوسف:42) .

قال أبو محمد: وكل هذا لا حجة لهم في شيء منه ونحن نبين ذلك بحول الله تعالى وقوته فنقول وبالله تعالى نتأيد:

أما أخذه أخاه وإيحاشه أباه منه فلا شك في أن ذلك ليرفق بأخيه، وليعود إخوته إليه، ولعلهم لو مضوا بأخيه لم يعودوا إليه، وهم في مملكة أخرى، وحيث لا طاعة ليوسف عليه السلام، ولا لملك مصر هنالك، وليكون ذلك سببًا لاجتماعه وجمع شمل جميعهم، ولا سبيل إلى أن يظن برسول الله الذي أوتي العلم والمعرفة بالتأويل إِلا أحسن الوجوه، وليس مع من خالفنا نص بخلاف ما ذكرنا، ولا يحل أن يظن بمسلم فاضل عقوق أبيه، فكيف برسول الله؟؟؟ وأما ظنهم أنه أقام مدة يقدر فيها على تعريف أبيه خبره، ولم يفعل، فهذا جهل شديد ممن ظن هذا لأن يعقوب في أرض كنعان من عمل فلسطين في قوم رحالين خصاصين في لسان آخر وطاعة امرئ ودين آخر وأمة أخرى كالذي بيننا اليوم وبين من يصافينا من بلاد النصارى كغالث وغيرها أو كصحراء البربر فلم يكن عند يوسف عليه السلام علم بعد فراقه أباه بما فعل، ولا حي هو أو ميت، أكثر من وعد الله تعالى بأن ينبئهم بفعلهم به، ولا وجد أحدًا يثق به فيرسل إليه للاختلاف الذي ذكرنا، وإنما يستسهل هذا اليوم من يرى أرض الشام ومصر لأمير واحد، وملة واحدة، ولسانًا واحدًا وأمة واحدة، والطريق سابل، والتجار ذاهبون وراجعون، والرفاق سائرة ومقبلة، والبُرد ناهضة وراجعة، فظن كل بيضاء شحمة ولم يكن الأمر حينئذ كذلك ولكن كما قدمنا.

ودليل ذلك أنه حين أمكنه لم يؤخره، واستجلب أباه وأهله أجمعين عند ضرورة الناس إليه، وانقيادهم له للجوع الذي كان عم الأرض وامتيارهم من عنده، فانتظر وعد ربه تعالى الذي وعده حين ألقوه في الجب فأتوه صاغرين راغبين كما وعده تعالى في رؤياه قبل أن يأتوه، ورب رئيس جليل شاهدنا من أبناء البشاكين والإفرنج لو قدر على أن يستجلب أبويه لكان أشد الناس بدارًا إلى ذلك ولكن الأمر تعذر عليهم تعذرًا أخرجه عن الإمكان إلى الامتناع فهذا كان أمر يوسف عليه السلام.

وأما قول يوسف لإخوته: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} (يوسف: 70) وهم لم يسرقوا الصواع، بل هو الذي كان قد أدخله في وعاء أخيه دونهم، فقد صدق عليه السلام لأنهم سرقوه من أبيه وباعوه، ولم يقل عليه السلام إنكم سرقتم الصواع، وإنما قال: {نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} (يوسف: 72) وهو في ذلك صادق لأنه كان غير واجد له فكان فاقدًا له بلا شك.

وأما خدمته عليه السلام لفرعون فإنما خدمة تقية وفي حق لاستنقاذ الله تعالى أهل الأرض بحسن تدبيره، ولعل الملك أو بعض خواصه قد آمن به إِلا أنّ خدمته له على كل حال حسنة وفعل خير، وتوصل إلى الاجتماع بأبيه وإلى العدل، وإلى حياة النفوس، إذ لم يقدر على المغالبة ولا أمكنه غير ذلك، ولا مرية في أن ذلك كان مباحًا في شريعة يوسف عليه السلام بخلاف شريعتنا، قال الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (المائدة: 48) وأما سجود أبويه فلم يكن ذلك محظورًا في شريعتهما، بل كان فعلًا حسنًا، وتحقيق رؤياه الصادق من الله تعالى، ولعل ذلك السجود كان تحية كسجود الملائكة لآدم عليه الصلاة والسلام. إِلا أن الذي لا شك فيه أنه لم يكن سجود عبادة ولا تذلل وإنما كان سجود كرامة فقط بلا شك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت