قال أبو محمد: وذكروا أمر يونس عليه السلام وقول الله تعالى عنه: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء: 87) .
وقوله تعالى: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (الصافات، 143، 144) .
وقوله لنبيه عليه السلام: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} (القلم: 48، 49) .
وقوله تعالى: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} (الصافات: 142) .
قالوا: ولا ذنب أعظم من المغاضبة لله عزّ وجلّ وَمَنْ أكبر ذنباً ممن ظن أن الله لا يقدر عليه؟
وقد أخبر الله تعالى أنه استحق الذم لولا أن تداركه نعمة الله عزّ وجلّ، وأنه استحق الملامة وأنه أقر على نفسه أنه كان من الظالمين، ونهى الله تعالى نبيه أن يكون مثله.
قال أبو محمد: وهذا كله لا حجة لهم فيه بل هو حجة لنا على صحة قولنا والحمد رب العالمين.
أما إخبار الله تعالى أن يونس ذهب مغاضباً فلم يغضب ربه قط، ولا قال الله تعالى إنه غاضب ربه فمن زاد هذه الزيادة كان قائلاً على الله الكذب وزائداً في القرآن ما ليس فيه، هذا لا يحل ولا يجوز أن يظن بمن له أدنى مسكة من عقل أنه يغاضب ربه تعالى فكيف أن يفعل ذلك نبي من الأنبياء؟ فعلمنا يقيناً أنه إنما غاضب قومه ولم يوافق ذلك مراد الله عزّ وجلّ فعوقب بذلك، وإن كان يونس عليه السلام لم يقصد بذلك إِلاَّ رضاء الله عزّ وجلّ.
وأما قوله تعالى: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} (الأنبياء: 87) .
فليس على ما ظنوه من الظن السخيف، الذي لا يجوز أن يظن بضعيفة من النساء، أو بضعيف من الرجال، إِلا أن يكون قد بلغ الغاية من الجهل، فكيف بنبي مفضل على الناس في العلم .. ؟ ومن المحال المتيقن أن يكون نبي يظن أن الله تعالى الذي أرسله بدينه لا يقدر عليه، وهو يرى أن آدمياً مثله يقدر عليه، ولا شك في أن من نسب هذا إلى النبي الفاضل فإنه يشتد غضبه لو نسب ذلك إليه، أو إلى ابنه، فكيف إلى يونس عليه السلام الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاَ تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بن مَتَّى؟؟؟
فقد بطل ظنهم بلا شك وصح أن معنى قوله: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} (الأنبياء: 87) أي ألا نضيق عليه، كما قال تعالى: {وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} (الفجر: 16) .
أي ضيق عليه، فظن يونس عليه السلام أن الله تعالى لا يضيق عليه في مغاضبته لقومه إذ ظنّ أنه محسن في فعله ذلك، وأما نهي الله عزّ وجلّ لمحمد عن أن يكون كصاحب الحوت. فنعم نهاه الله عزّ وجلّ من مغاضبته قومه، وأمره بالصبر على أذاهم، وبالمطاولة لهم.