فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 97

وأيضًا فإن الله تعالى لا يقر الأنبياء عليهم السلام على السهو بل ينبّههم في الوقت، ولو لم يفعل ذلك تعالى لكان لم يبين لنا مراده منا في الدين. وهذا تكذيب عزّ وجلّ إذ يقول تعالى: {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} (النحل: 89) .

وإذ يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (المائدة: 3) .

وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} (الأنعام: 119) .

قال أبو محمد: فسقط قول من نسب إلى الأنبياء عليهم السلام شيئًا من الذنوب بالعمد، صغيرها وكبيرها، إذْ لم يبق لهم شبهة يموهون بها أصلًا، وإذ قد قامت البراهين على بطلانها ولحقوا بذي الخويصرة.

قال أبو محمد: ولو جاز من الأنبياء عليهم السلام شيء من المعاصي فقد ندبنا إلى الائتساء بهم وبأفعالهم، لكنا قد أبيحت لنا المعاصي وكنا لا ندري لعل جميع ديننا ضلال وكفر، ولعل كل ما عمله عليه السلام معاصٍ، ولقد قلت يومًا لبعضهم ممن كان يجيز عليهم الصغائر بالعمد: أليس من الصغائر تقبيل المرأة الأجنبية وقرصها؟ فقال: نعم. فقلت له: تجوز أنه يظن بالنبي أن يقبل امرأة غيره متعمدًا؟ فقال: معاذ الله من هذا ورجع إلى الحق من حينه والحمد رب العالمين.

قال أبو محمد: قال الله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} (الفتح: 1،2) .

قال أبو محمد: ومن الباطل المحال أن تتم نعمة الله على عبد ويعصي الله بما كبر أو ما صغر، إذ لو كان ذلك لما كانت نعمة الله تعالى عليه تامة، بل ناقصة إذ خذله فيما عصى فيه.

وقال تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} (الفتح: 8،9) .

وقال الله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} (التوبة: 65، 66) .

قال أبو محمد: وما أقر برسول الله ولقد بلغ الغاية القصوى في الاستهزاء برسل الله من جوَّز أن يكونوا سراقًا أو زناة، ولاطة، وبغائين، ووا ما نعمل كفرًا أعظم من هذا ولا استهزاء بالله تعالى وبرسله وبالدين أعظم من كفر أهل هذه المقالة.

وليت شعري ما الذي أمنهم من كذبهم في التبليغ لأنا لا ندري لعلهم بلّغوا إلينا الكذب عن الله تعالى.

قال أبو محمد: فنقول لهم: ولعل أفعاله التي نأتسي بها تبديل للدين ومعاصٍ عزّ وجلّ ولا فرق.

قال أبو محمد: وما نعلم أهل قرية أشد سعيًا في إِفساد الإِسلام وكيده من الرافضة وأهل هذه المقالة، فإن كلتا الطائفتين الملعونتين أجازتا تبديل الدين وتحريفه، وصرحت هذه الفئة مع ما أطلقت على الأنبياء من المعاصي بأن الله تعالى إنما تعبدنا في دينه بغالب ظنوننا، وأنه لا حكم إلا ما غلب عليه ظن المرء منا، وإن كان مختلفًا متناقضًا، وما نمتري في أنهم ساعون في إفساد أغمار المسلمين المحسنين بهم الظن ونعوذ بالله من الضلال.

قال أبو محمد: فإن قال قائل إنكم تقولون إن الأنبياء عليهم السلام مؤاخذون بما أتوا على سبيل السهو والقصد إلى الخير، إذا لم يوافق مراد الله عزّ وجلّ فيها وأوخذ رسول الله بسهوه في الصلاة؟

قلنا له وبالله تعالى التوفيق: قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهذه فضيلة مما فضل به على جميع النبيين عليهم السلام، وهكذا نص عليه السلام في حديث الشفاعة يوم القيامة ومصير الناس من نبي إلى نبي، فكلٌّ ذكر خطيئة أو سكت، فلما ذكروا النبي قال قائلهم: عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فبطل أن يؤاخذ بما غفره الله، وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد: فإن قال قائل: أيجوز أن يكون نبي من الأنبياء عليهم السلام يأتي معصية قبل أن يتنبأ؟

فجوابنا، وبالله تعالى التوفيق: أن كل نبي فإنه قبل أن ينبأ لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون متعبدًا بشريعة نبي أتى قبله كما كان عيسى عليه السلام وأنبياء بني إسرائيل الذي كانوا متعبدين بشريعة موسى عليه الصلاة والسلام.

وإما أن يكون قد نشأ في قوم قد درست شريعتهم، ودثرت ونسيت كما في بعث محمد في قوم قد نسوا شريعة إسماعيل، وإبراهيم، عليهما السلام.

قال تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى} (الضحى: 7) .

وقال تعالى: {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} (يس: 6) فإن كان النبي متعبدًا بشريعة ما، فقد أبطلنا آنفًا أن يكون نبي يعصي ربه أصلًا.

وإن كان نشأ في قوم دثرت شريعتهم فهو غير متعبد، ولا مأمور بما لم يأته أمر الله تعالى به بعد فليس عاصيًا لله تعالى في شيء يفعله أو يتركه، إلا أننا ندري أن الله عزّ وجلّ قد طهر أنبياءه وصانهم من كل ما يعابون به، لأن العيب أذى، وقد حرم الله عزّ وجلّ أن يؤذى رسوله.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا} (الأحزاب: 57) .

قال أبو محمد: فبيقين ندري أن الله تعالى صان أنبياءه عن أن يكونوا لبغية أو من ولادة بغي، أو من بغايا، بل بعثهم تعالى في حسب قومهم، فإذ لا شك في هذا فبيقين ندري أن الله تعالى عصمهم قبل النبوة من كل ما يؤذون به بعد النبوة، فدخل في ذلك السرقة، والعدوان، والقسوة، والزنى، واللياطة، والبغي، وأذى الناس في حريمهم وأموالهم وأنفسهم، وكل ما يعاب به المرء ويتشكى منه ويؤذى بذكره.

وقد صح عن النبي في هذا ما حدثناه أحمد بن محمد الطلمنكي، أنا ابن فرج، أنا إبراهيم بن محمد بن فراس، أنبأنا أحمد بن محمد بن سالم النيسابوري، أنا إسحاق بن راهويه، أنا وهب بن جرير بن حازم، أنا أبي، أنبأنا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه هو ابن الحنفية، عن أبيه هو علي بن أبي طالب، قال: سمعت رسول الله يقول: ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به إلا مرتين من الدهر كلتاهما يعصمني الله منهما. قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في أغنام لأهلها ترعى أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فلما خرجت فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وصوت دفوف وزمير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج فلانة لرجل من قريش فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال لي ما فعلت، فأخبرته. ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ففعل فخرجت فسمعت مثل ذلك فقيل لي مثل ما قيل لي فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال لي ما فعلت قلت ما فعلت شيئًا فوا ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته.

قال أبو محمد: فصح أنه عليه السلام لم يعص قط بكبيرة ولا بصغيرة قبل النبوة، ولا بعدها، ولا همَّ قط بمعصية صغرت أو كبرت لا قبل النبوة، ولا بعدها، إلا مرتين بالسمر. حيث ربما كان بعض ما لم يكن نهي عنه بعد، والهمّ حينئذ بالسمر ليس هَمًّا بزنى، ولكنه بما يحذو إليه طبع البشرية من استحسان منظر حسن فقط، وبالله تعالى التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت