(الاستعارة المجردة)
قال المصنف: (وعليه قوله تعالى:(فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) حيث قال: (أذاقها) ولم يقل: كساها، فإن المراد بالإذاقة إصابتهم بما استعير له اللباس، كأنه قال: فأصابها الله بلباس الجوع والخوف.
قال الزمخشري: الإذاقة جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا وما يمس منها، يقولون: (ذاق فلان البؤس، وأذاقه العذاب، شبه ما يدرك من أثر الضر والألم بما يدرك من طعم المر، فإن قيل: الترشيح أبلغ من التجريد. فهلا قيل: كساها الله لباس الجوع؟
قلنا: لأن الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس من غير عكس، فكان في الإذاقة إشعار بشدة الإصابة.
فإن قيل: ما الحكمة في أن لم يقل: فأذاقها الله طعم الجوع؟
قلنا: لأن الطعم وإن لاءم الإذاقة فهو مفوت لما يفيده لفظ اللباس من بيان أن الجوع والخوف عم أثرهما جميع البدن عموم الملابس اهـ.
وحاصله أن تجريد الاستعارة ههنا احتاج إلى إيضاح؛ لأن الإذاقة لا تلائم المستعار له، وهو إنزال العذاب إذ الذوق حقيقة في الطعوم، فلذلك احتاج إلى أن يجعل الذوق استعارة عن إصابة العذاب، ثم أوقع على اللباس، فصار اللباس استعارة تجريدية؛ لأنها وإن كان ما قرنت به لا يلائم المستعار له على سبيل الحقيقة، فإنه يلائمه على سبيل الاستعارة.