قال المصنف: (ولأجل ذلك غلب لفظ الماضي مع(إذا) ؛ لأن الفعل بعدها مجزوم به، فاستعمل فيه ما ينبئ عن تحققه؛ لأن المستقبل إذا قصد تحققه يؤتى به بلفظ الماضي كقوله تعالى: (أَتى أَمْرُ اللَّهِ) ، ثم ذكر قوله تعالى: (فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ) أتى في الحسنة (بإذا) ؛ لأن وقوع مطلق الحسنة مجزوم به؛ لأن الحسنة - أعني نعم الله تعالى المحبوبة للعباد - غالبة على السيئة - أعني ما يسوء الإنسان - وأتى في السيئة بـ (إنْ) لندورها، هكذا ينبغي أن يقرر.
وأما المصنف فإنه قال: (أتى في جانب الحسنة بـ(إذا) لأن المراد الحسنة المطلقة التي حصولها مقطوع به؛ أو كالمقطوع به، ولذلك عرفت تعريف الجنس، وفي جانب السيئة بلفظ (إن) لأن السيئة نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة ولذلك نكرت.
قلت: قد يقال: (إن الإطلاق موجود في الحسنة المعرفة تعريف الجنس، وفي السيئة النكرة، إلا أن يقال: (الألف واللام الجنسية تصرف إلى الحقيقة فيكون مطلقا، بخلاف سيئة المنكر قد يكون نكرة في المعنى بأن يكون تنكيره للوحدة.
والذي يظهر أن ما ذكره المصنف من الحكمة في استعمال (إن) و (إذا) في موضعهما واضح من غير اعتبار تعريف ولا تنكير.
وجعل المصنف من ذلك: (وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) .
قلت: وهو يشهد لما قلناه من أن الإتيان بـ (إذا) و (إن) لمادتي الحسنة والسيئة، لا لتعريف ولا لتنكير، وإلا ورد عليه ما ذكره بهذه الآية الكريمة، فيحتاج إلى تكلف الجواب بأنه إنما نكّر رعاية للفظ الإذاقة المشعر بالقلة.
وأورد المصنف قوله تعالى: (وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) فقد استعمل فيه (إذا) في الطرفين، وأجاب بأنه قصد التوبيخ والتقريع فأتى (بإذا) و (بالمس) المشعر بالقلة؛ ليكون تخويفا لهم، وإخبارا بأنهم لا بد أن يمسهم شيء من العذاب.
وأورد قوله تعالى: (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ) بعد قوله تعالى: (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ) فإن الضمير في (مسه) يعود على المُعْرِض؛ إشارة إلى أنه لما أعرض وتكبر قطع بأن الشر يمسه.
قلت: الواو ليست للترتيب، والذي يمسه الشر أعم من أن يكون مسه الخير قبل ذلك أو لا.